ذات صلة

جمع

الاقتصاد مقابل الإدارة.. هل تنجح دمشق في استعادة آبار النفط عبر بوابة “الخدمات”؟

يشهد الملف السوري تحولاً جذرياً في أدوات الصراع، حيث انتقلت المواجهة من ميادين القتال المباشر إلى طاولات التفاوض الاقتصادي المعقّدة.


وتبرز في الأفق استراتيجية جديدة تتبناها الحكومة السورية في دمشق، تهدف إلى استعادة السيطرة على حقول النفط والغاز في شمال شرق البلاد، ليس عبر القوة العسكرية، بل عبر بوابة “الخدمات والتعاون الاقتصادي”.


هذه المعادلة التي تُعرف بـ”الاقتصاد مقابل الإدارة” تسعى إلى إيجاد صيغة تفاهم مع قوات سوريا الديمقراطية “قسد” تضمن تدفق الموارد النفطية إلى المصافي المركزية مقابل تزويد المناطق الشمالية بالكهرباء، والدقيق، والخدمات اللوجستية، والاعتراف الجزئي بالإدارة المحلية ضمن إطار اللامركزية.


إن هذا التحول يعكس إدراك كافة الأطراف بأن الاستمرار في حالة “اللا حرب واللا سلم” قد استنزف الموارد المتاحة، وأن الحل الاقتصادي قد يكون المدخل الأكثر واقعية لتوحيد الجغرافيا السورية تحت مظلة إدارية وخدمية مشتركة تُنهي معاناة السكان في مختلف المناطق.


وتشير المعطيات الميدانية إلى أن دمشق بدأت بالفعل في طرح مبادرات تقضي بتشغيل حقول “الرميلان” و”العمر” و”التنك” بإشراف فني من وزارة النفط السورية، مقابل حصول “الإدارة الذاتية” على حصة من العوائد المالية أو المشتقات النفطية المكررة، بالإضافة إلى ربط شبكات الكهرباء في الحسكة والقامشلي بالشبكة الوطنية السورية. هذا العرض يضع القوى الكردية أمام اختبار صعب؛ فمن جهة تعاني هذه المناطق من تدهور حاد في البنية التحتية ونقص في الخبرات الفنية لتطوير الحقول، ومن جهة أخرى تخشى من أن يكون هذا الاندماج الخدمي مقدمة لتقويض نفوذها السياسي.


ومع ذلك، فإن الضغوط الشعبية المتزايدة في شرق الفرات للمطالبة بتحسين الواقع المعيشي قد تدفع نحو القبول بهذه المقايضة، مما يجعل من “بوابة الخدمات” المفتاح الذهبي الذي قد يفتح أبواب السيادة المفقودة لدمشق على منابع ثرواتها القومية.
سلاح الطاقة والقمح.. كيف تفرض الضرورة المعيشية منطق الاندماج؟


لقد أثبتت سنوات الصراع أن السيطرة على الأرض لا تعني بالضرورة القدرة على إدارة مواردها بكفاءة، وهذا ما تواجهه “قسد” اليوم في ظل تراجع إنتاجية الآبار النفطية نتيجة غياب الصيانة وتهالك المعدات.
في المقابل، تمتلك دمشق المفاصل القانونية والخبرات الهندسية والمصافي الكبرى “حمص وبانياس”، مما يخلق حالة من “الاعتماد المتبادل” القسري.


إن فكرة استعادة الآبار عبر بوابة الخدمات تعتمد على تقديم الدولة السورية نفسها كـ”مشغّل وطني” يضمن استدامة الموارد مقابل توفير احتياجات السكان من المحروقات والكهرباء والاتصالات. هذا الاندماج الاقتصادي التدريجي يمهد الطريق لعودة مؤسسات الدولة الرسمية بشكل ناعم، حيث يبدأ الأمر بتعيين موظفين فنيين، وينتهي بفرض السيادة الإدارية والقانونية على هذه المناطق الحيوية، وهو ما تراه دمشق نصراً استراتيجياً طويل الأمد يحقن الدماء ويستعيد الرئة الاقتصادية للبلاد.


علاوة على ذلك، يبرز ملف “القمح” كعنصر حاسم في هذه المعادلة؛ فشمال شرق سوريا يمثل سلة الغذاء السورية، واستعادة التنسيق بين المركز والقامشلي يضمن تأمين رغيف الخبز لملايين السوريين بعيداً عن تقلبات الاستيراد والأسعار العالمية. إن دمشق تحاول إقناع الأطراف المحلية والدولية بأن توحيد إدارة الموارد (النفط والقمح) هو الضمانة الوحيدة لمنع الانهيار الإنساني الشامل.


ومن خلال تحويل العلاقة من “صراع سيطرة” إلى “شراكة خدماتية”، تراهن الحكومة على أن المواطن السوري في الشمال سيفضل في النهاية الاستقرار الخدمي والاعتراف الرسمي بوثائقه ومعاملاته على بقاء “الإدارة الذاتية” ككيان معزول يفتقر لمقومات الدولة. هذه “القوة الناعمة” الاقتصادية تبدو في عام 2026 أكثر فاعلية من أي وقت مضى، خاصة مع تراجع الدعم الدولي المباشر للمشاريع الانفصالية.
الموقف الدولي والروسي.. هندسة “السيادة الناعمة” في شرق الفرات


تلعب روسيا دوراً محورياً في هندسة هذا الاتفاق، حيث تعمل موسكو كوسيط وضامن لتنفيذ التفاهمات النفطية والخدمية بين دمشق والقامشلي.


وترى الرؤية الروسية أن “الاندماج الاقتصادي” هو الخطوة الأولى والضرورية نحو الحل السياسي النهائي، حيث يتم من خلاله تجريد المشاريع الانفصالية من مبرراتها الاقتصادية، وتضغط موسكو باتجاه صياغة قانون جديد للإدارة المحلية يمنح مناطق شمال شرق سوريا صلاحيات واسعة في إدارة شؤونها الخدمية، مقابل تسليم الموارد الاستراتيجية (النفط والغاز والمعابر) للحكومة المركزية. هذا المقترح يجد قبولاً حذراً لدى بعض القيادات الكردية التي بدأت تدرك أن المظلة الأمريكية قد لا تدوم للأبد، وأن التفاهم مع دمشق هو الخيار الوحيد لتجنب عملية عسكرية تركية قد تنهي وجودهم السياسي والعسكري بالكامل.


في المقابل، تراقب واشنطن هذه التحركات بحذر، فهي لا تعارض تحسين الواقع الإنساني، لكنها تخشى من أن يؤدي تسليم آبار النفط لدمشق إلى تعزيز قوة الدولة السورية وتجاوز مفاعيل عقوبات “قيصر”. ومع ذلك، فإن الضغط الإقليمي وحاجة السكان الملحّة للكهرباء والخدمات قد تُجبر واشنطن على غض الطرف عن تفاهمات “تقنية” تخص الطاقة والخدمات، وهو ما تستغله دمشق بذكاء لتوسيع رقعة حضورها الإداري.


إن نجاح دمشق في استعادة الآبار عبر هذه البوابة سيعني عملياً انتهاء مشروع “الاستقلال الاقتصادي” للشمال الشرقي، وتحويله إلى إقليم مرتبط عضوياً بالمركز، مما ينهي واحدة من أعقد معضلات الأزمة السورية دون إطلاق رصاصة واحدة، ويكرّس منطق “الدولة” كخيار وحيد لضمان العيش الكريم.


هل يصبح النفط جسراً للوحدة الوطنية؟


إن الرهان على “الاقتصاد مقابل الإدارة” يحمل في طياته فرصاً وتحديات كبرى؛ فنجاحه يعتمد على مدى التزام دمشق بتقديم خدمات حقيقية ومستدامة، ومدى مرونة “قسد” في التخلي عن امتيازاتها الاقتصادية لصالح الاستقرار السياسي. وإذا نجحت هذه التجربة في حقول النفط، فقد تُعمم على قطاعات أخرى مثل التعليم والصحة والقضاء، مما يؤدي في النهاية إلى ذوبان “الإدارة الذاتية” تدريجياً داخل مؤسسات الدولة السورية. إن الهدف النهائي لدمشق هو الوصول إلى لحظة يصبح فيها الانفصال عبئاً اقتصادياً والاندماج ضرورة معيشية، وهو ما يبدو أنه المسار المرجح في ظل المعطيات الراهنة.