استيقظ الشارع الليبي والمجتمع الدولي على أنباء صادمة هزت أركان المشهد السياسي المتأزم أصلًا، حيث أعلن عبدالله عثمان، المستشار ورئيس الفريق السياسي لسيف الإسلام معمر القذافي، مقتل نجل الرئيس الليبي الراحل داخل مقر إقامته في مدينة الزنتان.
هذا التطور الدراماتيكي، الذي جاء بعد سنوات من التخفي والظهور المتقطع، يضع ليبيا أمام منعطف تاريخي جديد، فمقتل الشخصية الأكثر جدلًا وقوة في أوساط أنصار النظام السابق لا يمثل مجرد عملية تصفية جسدية، بل هو ضربة قوية لموازين القوى التي كانت تعتمد على سيف الإسلام كلاعب أساسي في أي تسوية سياسية أو انتخابية مستقبلية.
وبينما تسود حالة من الترقب والحذر، يبرز السؤال الجوهري حول ما إذا كانت هذه الواقعة ستؤدي إلى انفجار أمني شامل، أم أنها ستفتح الباب أمام ترتيبات سياسية جديدة تخلو من “إرث القذافي” الذي ظل حاضرًا بقوة طوال عقد من الزمان.
تفاصيل عملية الاغتيال وغموض الجهة المنفذة
بحسب الروايات الأولية التي نقلتها وسائل إعلام محلية ودولية، فإن عملية الاغتيال اتسمت بدقة عالية واحترافية توحي بتورط أطراف تمتلك قدرات استخباراتية ولوجستية متطورة.
فقد أفاد المستشار عبدالله عثمان بأن “فرقة كوماندوز” مكونة من أربعة رجال مجهولي الهوية تمكنت من اقتحام مقر إقامة سيف الإسلام في مدينة الزنتان بعد تعطيل كامل لمنظومة كاميرات المراقبة المحيطة بالمكان، مما مكنهم من تنفيذ العملية والانسحاب دون وقوع اشتباكات كبرى تلفت الأنظار في حينها.
هذا الأسلوب في التنفيذ يثير تساؤلات مشروعة حول كيفية اختراق المنظومة الأمنية التي كانت تحيط بسيف الإسلام، خاصة وأنه كان يخضع لحماية مجموعات مسلحة من الزنتان رفضت طوال سنوات تسليمه للقضاء في طرابلس أو للمحكمة الجنائية الدولية، مما يشير إلى احتمال وجود خرق داخلي أو تواطؤ سهل مهمة المنفذين.
نفي العسكرية وتضارب الأنباء الميدانية
في خضم حالة الفوضى الإخبارية، سارعت أطراف عسكرية فاعلة في الغرب الليبي إلى تبرئة ساحتها من هذا الحدث، حيث أصدر “اللواء 444 قتال” بيانًا قاطعًا نفى فيه أي علاقة له بالاشتباكات التي شهدتها مدينة الزنتان أو بالأنباء المتداولة حول مقتل سيف الإسلام القذافي.
وأكد اللواء في بيانه الرسمي أنه لا يمتلك أي انتشار ميداني داخل الزنتان، وأن مهامه العسكرية لا تشمل ملاحقة الشخصيات السياسية أو التدخل في الصراعات المحلية بالمدينة.
هذا النفي يلقي بمزيد من الغموض على هوية الجهة المنفذة، ويفتح الباب أمام سيناريوهات متعددة، تتراوح بين تصفية حسابات داخلية بين فصائل الزنتان نفسها، أو عملية خارجية نُفذت بأيدي محلية لإزاحة سيف الإسلام من سباق الرئاسة الذي كان يمثل فيه رقمًا صعبًا يصعب تجاوزه في أي انتخابات نزيهة.
التداعيات على أنصار النظام السابق وتوازنات القوى
يتمتع سيف الإسلام القذافي بقاعدة شعبية لا يمكن الاستهانة بها، تتركز بشكل كبير في مناطق الجنوب ووسط وغرب ليبيا، لا سيما في مدن مثل بني وليد وسبها وبعض قبائل الزنتان.
مقتله في هذا التوقيت يمثل صدمة كبرى لأنصار “التيار الأخضر” الذين كانوا يعولون عليه لاستعادة دورهم في السلطة عبر صناديق الاقتراع.
ومن المرجح أن يؤدي هذا الحادث إلى موجة من الغضب الشعبي والاحتجاجات في هذه المناطق، وربما يتطور الأمر إلى عمليات انتقامية تستهدف القوى التي تُتهم بالضلوع في الاغتيال أو تلك التي استفادت من غيابه. إن غياب سيف الإسلام يعني فراغًا كبيرًا في قيادة هذا التيار، مما قد يدفع ببعض المجموعات المسلحة الموالية له إلى التشدد أكثر أو الانخراط في تحالفات جديدة غير متوقعة، مما يزيد من تعقيد المشهد الأمني الهش بطبعه.
مستقبل العملية السياسية والملاحقة الدولية
كان سيف الإسلام القذافي يمثل المعضلة الأكبر للمجتمع الدولي والمحكمة الجنائية الدولية، كونه مطلوبًا بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وفي الوقت نفسه يحظى بحق الترشح للانتخابات وفقًا لرؤية قطاع واسع من الليبيين. بمقتله، يغلق أحد أكثر الملفات القانونية والسياسية تعقيداً في تاريخ ليبيا الحديث، ولكن هذا الإغلاق يأتي بطريقة دموية قد تقوض جهود البعثة الأممية الساعية لإجراء انتخابات وطنية شاملة.
فإقصاء مرشح بهذا الثقل عبر الاغتيال يبعث برسالة سلبية مفادها أن الرصاص لا يزال أقوى من صناديق الاقتراع في ليبيا، وهو ما قد يدفع أطرافًا أخرى إلى التمسك بمواقعها ورفض التنازل خوفًا من مصير مشابه، مما يعزز من حالة الانسداد السياسي ويدفع البلاد نحو الانقسام الدائم أو الصراع الوجودي على السلطة والموارد.
هل تدخل ليبيا نفقًا مظلمًا جديدًا؟
يظل مقتل سيف الإسلام القذافي حدثًا فارقًا سيغير وجه ليبيا لسنوات قادمة، فبينما يراه البعض نهاية لحقبة وبداية لترتيبات جديدة، يراه آخرون شرارة لحرب أهلية قد تكون الأشرس منذ سنوات.
إن غياب الحقيقة الكاملة حول الجهة المنفذة وتوقيت العملية يضع ليبيا أمام اختبار حقيقي لقدرة مؤسساتها العسكرية والسياسية على ضبط النفس ومنع انزلاق البلاد نحو الهاوية.
التاريخ سيسجل أن سيف الإسلام، الذي بدأ حياته السياسية كإصلاحي ثم انتهى به المطاف كمطلوب دولي وقتيل في ظروف غامضة، ظل حتى لحظاته الأخيرة المحرك الرئيس للكثير من التفاعلات السياسية في ليبيا، وبمقتله، تفتح صفحة جديدة لا يمكن التنبؤ بمحتواها، لكنها بالتأكيد ستكون محفوفة بالمخاطر والتحديات الجسيمة.

