ذات صلة

جمع

من الصحراء إلى الساحل.. كيف يُشرعن «فراغ القانون» في ليبيا الإتجار بالبشر؟

تمثل ليبيا اليوم الحالة الأكثر تعقيدًا في ملف الهجرة...

رحلة السقوط الحر.. كيف تحوّل قطاع الطاقة في تونس من محرّك للتنمية إلى ثقب أسود؟

تواجه الدولة التونسية اليوم واحدة من أعقد أزماتها الاقتصادية...

خريطة القواعد العسكرية.. هل اقتربت لحظة الاستقلال العسكري الكامل للعراق؟

يدخل العراق اليوم مرحلة تاريخية مفصلية في مسار استعادة...

دماء خلف القضبان.. كيف يستخدم البرهان «قانون الطوارئ» لشرعنة السجون السرّية؟

في وقتٍ يعيش فيه السودان إحدى أعنف أزماته التاريخية،...

الأبعاد القانونية والسياسية.. لماذا يبرز مقترح لجنة إدارة غزة الآن كخيار حتمي؟

يواجه الواقع الفلسطيني الحالي واحدة من أكثر لحظاته التاريخية...

رحلة السقوط الحر.. كيف تحوّل قطاع الطاقة في تونس من محرّك للتنمية إلى ثقب أسود؟

تواجه الدولة التونسية اليوم واحدة من أعقد أزماتها الاقتصادية منذ عقود، حيث يبرز قطاع الطاقة كأخطر التحديات التي تهدّد استقرار الموازنة العامة للدولة.


تشير البيانات الرسمية الصادرة عن المرصد الوطني للطاقة والمناجم إلى واقع صادم؛ فقد تضاعف عجز الميزان الطاقي في تونس أربع مرات خلال السنوات العشر الأخيرة، مما يعكس حالة من «السقوط الحر» لقطاع كان يمثّل يومًا ما أحد دعائم الاستقلال الاقتصادي.


عشر سنوات من النزيف


بالنظر إلى المسار الزمني، نجد أن الفجوة بين الإنتاج الوطني من الموارد الأولية «نفط وغاز»، وبين الاستهلاك المتزايد قد اتسعت بشكل مخيف. ففي عام 2014، كانت تونس تمتلك هامشًا من المناورة، إلا أن تراجع الإنتاج في الحقول الرئيسية مثل «البرمة» و«عشترت» دون تعويضها باكتشافات جديدة كبرى، أدّى إلى ارتهان الدولة للسوق الدولية.


هذا التضاعف الرباعي في العجز ليس مجرد رقم حسابي، بل هو استنزاف مباشر لاحتياطيات البلاد من العملة الصعبة، وزيادة في المديونية الخارجية لتغطية فاتورة الاستيراد.
أسباب الانهيار


لم يكن هذا التراجع وليد الصدفة، بل جاء نتيجة تراكمات عدة. أولها، تراجع الاستثمارات في قطاع البحث والاستكشاف، حيث شهدت تونس عزوفًا من الشركات العالمية الكبرى نتيجة عدم استقرار التشريعات والبيروقراطية المفرطة.


ثانيًا، الاضطرابات الاجتماعية والاحتجاجات المتكررة في مناطق الإنتاج «مثل أزمة الكامور»، التي تسببت في إغلاق صمامات الإنتاج لمدد طويلة، مما كبّد الدولة خسائر بمليارات الدينارات.
معضلة الدعم


يرتبط عجز الطاقة ارتباطًا عضويًا بعجز الموازنة العامة عبر «صندوق الدعم»، ومع الارتفاع الجنوني في أسعار الطاقة عالميًا، وجدت الحكومة التونسية نفسها أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما رفع الأسعار على المواطن المثقل بالأعباء أصلًا، أو تحمّل فروق الأسعار مما يؤدي إلى انفجار العجز المالي للدولة.
الحلم المؤجّل


على الرغم من امتلاك تونس إمكانات هائلة في مجال الطاقة الشمسية والرياح، إلا أن الانتقال الطاقي لا يزال يخطو خطوات وئيدة.


حيث إن التحديات التمويلية وضعف الشبكة الوطنية لتوزيع الكهرباء، بالإضافة إلى العقبات القانونية، حالت دون تحقيق الهدف المعلن بإنتاج 35% من الكهرباء من مصادر متجددة بحلول عام 2030. هذا التأخير جعل تونس تظل أسيرة للغاز الطبيعي المستورد، الذي يُستخدم لإنتاج أكثر من 90% من الكهرباء في البلاد.


إنقاذ الطاقة هو إنقاذ للدولة


إن السقوط الحر لقطاع الطاقة في تونس يمثّل جرس إنذار أخير لصنّاع القرار؛ فلا يمكن الحديث عن استقلال وطني أو استقرار اجتماعي بينما تظل «أمن الطاقة» تحت رحمة التقلبات الدولية والتبعية الكاملة للخارج. وإن تضاعف العجز أربع مرات في عقد واحد يكشف عن خلل بنيوي في إدارة الموارد، ويتطلب ثورة تشريعية وإجرائية تعيد الثقة للمستثمرين وتسرّع وتيرة التحول نحو الطاقات البديلة.