في وقتٍ يعيش فيه السودان إحدى أعنف أزماته التاريخية، برزت على السطح قضية «السجون السرّية» أو ما يُعرف بـ«بيوت الأشباح» بنسختها الجديدة، لتشكّل صدمةً حقوقيةً وقانونية.
ومع استمرار الصراع المسلّح، تشير تقارير ميدانية وشهادات لناجين إلى أنّ السلطات العسكرية بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، توسّعت في استخدام «قانون الطوارئ» لا لحفظ الأمن، بل لتحويله إلى مظلّة قانونية تُشرعن الاعتقالات التعسّفية والإخفاء القسري بعيدًا عن رقابة القضاء.
قانون الطوارئ.. تفويض مطلق للانتهاك
فمنذ اندلاع النزاع، تزايدت وتيرة تفعيل قوانين الطوارئ في الولايات الخاضعة لسيطرة القوات المسلحة. ويمنح هذا القانون الأجهزة الأمنية واستخبارات الجيش صلاحيات واسعة تشمل المداهمة والاعتقال دون مذكرات قضائية، ومنع المحتجزين من التواصل مع ذويهم أو محاميهم.
وترى مصادر أنّ «شرعنة» هذه الإجراءات خلقت فجوةً سوداء في النظام العدلي، حيث يُحتجز المئات من الناشطين وأعضاء لجان المقاومة، وحتى المواطنين العاديين، بتهمٍ فضفاضة مثل «التعاون مع القوى المتمردة».
السجون السرّية.. جغرافيا الألم خلف الستار
وتتحدث التقارير عن وجود مراكز احتجاز غير رسمية تديرها الاستخبارات العسكرية في عدة ولايات، أبرزها: القضارف، وبورتسودان، ونهر النيل. وهذه المراكز، التي تفتقر إلى أدنى المعايير الإنسانية، أصبحت مكانًا لممارسات التعذيب الممنهج.
والشهادات المسرّبة من خلف القضبان ترسم صورةً قاتمة: زنازين ضيقة، حرمان من الغذاء والدواء، واعتداءات جسدية ونفسية تستهدف انتزاع اعترافات قسرية.
وقالت مصادر إن استخدام هذه السجون السرّية يهدف بالأساس إلى تغييب الأصوات المعارضة وإحداث حالة من الرعب الجماعي لشلّ أي حراك مدني يطالب بوقف الحرب.
الإخفاء القسري.. دماء تضيع بين الملفات
يُعد الإخفاء القسري أخطر إفرازات قانون الطوارئ الحالي؛ إذ تُنكر الجهات الرسمية وجود المعتقل لديها، ما يفتح الباب أمام التصفية الجسدية دون مساءلة.
ووثقت منظمات حقوقية عشرات الحالات لمدنيين انقطعت أخبارهم تمامًا عقب اعتقالهم من منازلهم أو من نقاط التفتيش. وهذه «الدماء خلف القضبان» تضع قيادة الجيش أمام تساؤلات دولية حرجة حول الالتزام بالقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف، خاصةً أن هذه الانتهاكات تتم تحت لافتة «حماية الدولة».
عدالة مفقودة في وطن ينزف
إن ما يحدث اليوم في زنازين السودان السرّية، تحت غطاء «قانون الطوارئ»، يمثل طعنةً في خاصرة العدالة والإنسانية. وإن التذرّع بحماية كيان الدولة وصونها من التفكك لا يمكن أن يبرر، بحالٍ من الأحوال، إهدار دماء الأبرياء خلف القضبان أو إخفاءهم قسرًا؛ فالسلطة التي تستمد شرعيتها من القمع وتغييب القانون هي سلطة تُقامر بمستقبل الوطن وتُعمّق جراحه التي لم تندمل بعد.

