مع دخول ذروة فصل الشتاء في يناير 2026، يواجه قطاع غزة فصلاً جديدًا من فصول المأساة التي لم تتوقف، فبينما كانت النيران والدمار هي التهديد الأكبر، برز “البرد القاتل” كعدو صامت يطارد أكثر من مليون نازح فلسطيني.
ووفقًا لآخر تقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا”، فإن الوضع لم يعد مجرد أزمة سكن، بل تحول إلى كارثة وجودية تهدد حياة الأطفال والمسنين.
صرخة “أوتشا”.. مليون إنسان بلا سقف
أطلق مكتب “أوتشا” تحذيرًا شديد اللهجة، مؤكدًا أن ما يزيد عن مليون شخص في غزة بحاجة ماسة للمأوى بعد أن دمرت آلة الحرب أكثر من 70% من الوحدات السكنية في القطاع.
وفي ظل استمرار الطقس القاسي، أصبحت الخيام المتهالكة التي تؤوي مئات الآلاف غير قادرة على الصمود أمام الرياح العاتية والأمطار الغزيرة التي حولت المخيمات إلى برك من الوحل.
واقع النزوح تحت الصفر
في مخيمات رفح ووسط القطاع، لا يبدو “الشتاء” فصلاً للخير، بل هو كابوس مستمر، حيث يصف النازحون وضعهم بأنهم يعيشون “بين فكي الصقيع والبلل”.
كما أن أغلب الخيام مصنوعة من النايلون والقماش المهترئ الذي لا يصمد أمام المنخفضات الجوية؛ مما يؤدي إلى تسرب المياه إلى فرشات وأغطية النازحين ومع انقطاع الكهرباء وشح الوقود وارتفاع أسعار الفحم، يلجأ النازحون لحرق البلاستيك والملابس القديمة للتدفئة، مما يسبب أمراضاً تنفسية خطيرة.
الطقس القاسي: العدو الذي لا يرحم
وتشير البيانات الجوية لعام 2026 إلى أن المنطقة تتعرض لسلسلة من المنخفضات القطبية، وهو ما ضاعف معاناة سكان غزة. البرد في غزة ليس مجرد انخفاض في درجات الحرارة، بل هو مرتبط بانعدام “الأمن الحراري”.
الموت بردًا في الخيام
وسجلت الطواقم الطبية في غزة حالات وفاة بين الأطفال الرضع وكبار السن نتيجة “انخفاض حرارة الجسم”، هؤلاء الضحايا لم تقتلهم الشظايا، بل قتلهم غياب الجدار والسقف والغطاء.
ويؤكد الأطباء في المستشفيات الميدانية، أن أمراض الرئة والتهابات المفاصل الحادة أصبحت وباءً يجتاح مخيمات النازحين بسبب الرطوبة الدائمة والبرد القارس.
الفشل الدولي وأزمة الإمدادات
رغم النداءات المتكررة، ما تزال المساعدات الإنسانية المتعلقة بـ “قطاع المأوى” ضئيلة جدًا مقارنة بالاحتياجات، فالسوق المحلية في غزة تعاني من انعدام تام لمواد البناء أو حتى الشوادر البلاستيكية القوية.
عوائق وصول المساعدات
وضمن عوائق وصول المساعدات إغلاق المعابر والقيود المفروضة على دخول مواد الإيواء مثل الأخشاب والشوادر والخيام المضادة للماء والتي تعطل عمل المنظمات الدولية والاستهداف المستمر وصعوبة الحركة داخل القطاع نتيجة تدمير الطرق واستهداف قوافل الإغاثة في بعض الأحيان وضعف التمويل حيث تشكو “أوتشا” و”الأونروا” من فجوة تمويلية هائلة تمنع شراء ملايين البطانيات والملابس الشتوية اللازمة.
ما الذي يحتاجه مليون شخص في غزة الآن؟
حسب تقديرات الخبراء الإنسانيين لعام 2026، تتلخص الاحتياجات العاجلة في إدخال 500 ألف خيمة شتوية متطورة قادرة على عزل الحرارة ومقاومة الرياح وتوفير “حقائب الشتاء” التي تشمل ملابس حرارية، بطانيات ثقيلة، ووسائل تدفئة آمنة وفتح المعابر فورًا لإدخال الوقود اللازم لتشغيل المخابز والمستشفيات التي تعمل كملجأ أخير للمشردين وإنشاء “بيوت جاهزة” “كرفانات” كبديل مؤقت عن الخيام التي لم تعد تجدي نفعاً في ظل انهيار الأرضية الطينية للمخيمات.
مسؤولية أخلاقية أمام العالم
إن تقرير “أوتشا” الذي يتحدث عن مليون شخص بلا مأوى في غزة ليس مجرد إحصائية جافة، بل هو نداء استغاثة لضمير العالم، وإن ترك غزة تواجه “البرد القاتل” بمفردها هو حكم بالإعدام على مئات الآلاف من الأبرياء، ومع استمرار الطقس القاسي، تظل “الخيمة” في غزة هي الحصن الأخير المنهار، ويبقى السؤال، متى سينتهي هذا الشتاء الطويل في حياة الفلسطينيين؟

