على مدار عقود طويلة، ظلت الحركات الإسلاموية المتطرفة تتبدل في المسميات وتتطور في الأساليب، إلا أن القاسم المشترك بينها ظل دائمًا هو “الجينات الهيكلية” التي وضعت بذورها الأولى في ثلاثينيات القرن الماضي.
فمنذ اللحظة التي أسس فيها حسن البنا “التنظيم الخاص” أو ما يعرف بـ “التنظيم السرّي” لجماعة الإخوان المسلمين، وُضِع حجر الأساس لكل التنظيمات العنيفة التي تلتها، وصولاً إلى تنظيم “داعش” الإرهابي بقيادة أبي بكر البغدادي.
علاوة على ذلك، ترى مصادر أن العلاقة بين الإخوان وداعش ليست مجرد تشابه عابر، بل هي علاقة “استنساخ هيكلي” وتطوير تنظيمي مبني على أدبيات السمع والطاعة والعمل في الخفاء.
الجذور التأسيسية
بدأت القصة عندما قرر حسن البنا الانتقال من مرحلة الدعوة إلى مرحلة القوة، فأنشأ “التنظيم الخاص” ليكون جناحًا عسكريًا موازيًا للجماعة، كان الهدف المعلن هو مقاومة الاحتلال، لكن الهدف الضمني كان حماية التنظيم وفرض رؤيته بالقوة، اعتمد هذا الهيكل على السرية المطلقة، والبيعة العمياء، وتقسيم الأعضاء إلى خلايا عنقودية لا يعرف بعضها بعضًا.
بناءً على ذلك، نجد أن تنظيم “داعش” لم يبتكر هيكلية جديدة من العدم، بل أخذ هذا النموذج وطوره ليناسب العصر الرقمي، فالتنظيم الذي أسسه البنا قام على فكرة “العضو العامل” الذي ينفذ الأوامر دون مناقشة، وهو تمامًا ما طبقه البغدادي في “دولة الخلافة” المزعومة، حيث تحول الفرد إلى أداة صماء في آلة الحرب الداعشية.
الجسر الأيديولوجي نحو التكفير
إذا كان البنا هو المهندس المعماري للهيكل، فإن سيد قطب كان المُنظر الذي منح هذا الهيكل شرعيته القتالية، من خلال مفاهيم “الحاكمية” و”الجاهلية”، وضع قطب الأسس التي استندت إليها داعش لاحقاً في تكفير المجتمعات واستباحة الدماء.
نتيجة لذلك، انتقلت فكرة “العزلة الشعورية” عن المجتمع من ردهات السجون التي سكنها قطب إلى معسكرات التدريب في الرقة والموصل، ولقد استنسخت داعش من الإخوان فكرة أن التنظيم هو “جماعة المسلمين” وليس “جماعة من المسلمين”، مما منحهم الحق -من وجهة نظرهم المتطرفة- في إقصاء أو تصفية كل من يقع خارج هذا الهيكل التنظيمي.
نظام “البيعة” من المرشد إلى الخليفة المزعوم
تعد “البيعة” الركن الركين في هيكلية الجماعات المتطرفة، عند الإخوان، البيعة للمرشد هي أصل الانتماء، وهي بيعة تتضمن الطاعة التامة في “المنشط والمكره”. داعش أخذت هذا المفهوم ورفعته إلى مستوى “بيعة الخليفة”، مع إضافة طابع عسكري دموي عليها.
بالإضافة إلى ذلك، استخدمت داعش نفس أسلوب “التربية التنظيمية” الإخوانية، التي تبدأ بجذب الشباب عبر الشعارات العاطفية، ثم إدخالهم في “محاضن تربوية” مغلقة “الأسر الإخوانية مقابل المعسكرات الداعشية”، ليتم غسل أدمغتهم تدريجيًا حتى يصبح التنظيم هو الوطن والأهل والمرجع الوحيد.
التمكين والمناورة
استخدم الإخوان مصطلح “التمكين” لوصف مرحلة السيطرة النهائية على المجتمع والدولة، وبالنظر إلى مسيرة داعش، نجد أنها طبقت ذات الاستراتيجية ولكن بوتيرة أسرع وأعنف، فالتنظيمان يؤمنان بأن العمل السرّي هو مجرد مرحلة تمهيدية للوصول إلى الحكم وتطبيق رؤيتهما المتشددة.
بالمقابل، تختلف الوسائل لكن الغاية تظل واحدة. الإخوان اعتمدوا أحياناً على “التقية السياسية” والتغلغل في مؤسسات الدولة، بينما اختارت داعش المواجهة المباشرة، ومع ذلك، يظل الهيكل التنظيمي الذي يدير هذه العمليات هو نفسه قيادة عليا غامضة، ومجالس شورى صورية، وقواعد تنفذ الأوامر دون وعي.
وجهان لعملة واحدة
ويتضح لنا أن داعش ليست مجرد “نبت شيطاني” ظهر فجأة، بل هي تطور طبيعي وهيكلي للمنظومة السرية التي وضعها حسن البنا، لقد وفرت جماعة الإخوان “الكتالوج” التنظيمي والأيديولوجي، وجاءت داعش لتمارس هذا الفكر بأقصى درجات الوحشية.
إن فهمنا لهذا الارتباط الوثيق بين “البنا” و”البغدادي” هو الخطوة الأولى لتفكيك هذه الهياكل المتطرفة وتحصين المجتمعات من خطرها المستمر، ولقد استنسخت داعش من الإخوان كل شيء من نظام الخلايا والسرية، إلى أدبيات الطاعة والتكفير، مما يجعل مواجهة الفكر الإخواني ضرورة أمنية وفكرية للقضاء على بذور الإرهاب في مهدها.

