تتواصل الأزمات السياسية والهيكلية الخانقة التي تكابدها ليبيا، في ظل استمرار الانقسام الحكومي والمؤسسي الذي ألقى بظلاله القاتمة على كافة القطاعات الخدمية والاقتصادية والأمنية في البلاد.
وفي محاولة جادة لكسر حالة الانسداد وتفكيك دوامة التعطيل، كثفت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة ورئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا جولات تواصلها المباشر بين شرق البلاد وغربها، ممتدة من بنغازي إلى العاصمة طرابلس.
وتأتي هذه التحركات المكثفة في أعقاب قرار مجلس الأمن الدولي تمديد ولاية البعثة الأممية لعام إضافي كامل حتى 31 أكتوبر/تشرين الأول 2027، بهدف تفعيل مسار سياسي شامل يقوده الليبيون لإنهاء حالة التشظي، وتوحيد السلطة التنفيذية والمؤسسات السيادية والرقابية والقضائية، وتهيئة البيئة الوطنية لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية الناجزة.
جولات بنغازي وطرابلس: مساعٍ أممية لبناء أرضية توافق بين القوى السياسية والعسكرية
شهدت المحطات الأخيرة للبعثة الأممية لقاءات عالية المستوى شملت رئاسة مجلس النواب، والقيادات العسكرية بالشرق الليبي، ورئاسة المجلس الأعلى للدولة بالعاصمة طرابلس.
وتناولت المباحثات سبل توحيد المؤسسات السيادية والمالية والأمنية، وحماية استقلالية القضاء وفق الإعلان الدستوري. وركزت الاتصالات الأممية على تفعيل اتفاق الحوار المصغر واشتراط المشاركة الشاملة لكافة الأطراف دون إقصاء إلا أن المسار السياسي ما يزال يصطدم بعقبات المرجعيات الدستورية؛ إذ أعلنت اللجنة السياسية بالمجلس الأعلى للدولة رفضها لمخرجات لجنة الحوار المصغرة التونسية “4+4” المنعقدة في 30 أغسطس الماضي، محذرة من خطورة تبني مسارات موازية تعيد إنتاج الأزمة وتجاوز التوافقات المؤسسية المتفق عليها سلفًا.
اتفاق لجنة “4+4” وتحديات المسار الانتخابي: الصراع على إعادة هيكلة المفوضية والقوانين
وتُمثل تفاهمات لجنة “4+4″، التي تم التوصل إليها في العاصمة التونسية برعاية البعثة الأممية، ركيزة محورية في المفاوضات الراهنة لاستكمال المسار الانتخابي المعطل.
وتتركز أبرز بنود هذه التفاهمات في إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات لضمان حياديتها ونزاهتها، إضافة إلى معالجة النقاط الخلافية الجوهرية المرتبطة بالقوانين الانتخابية المنظمة للاستحقاق الرئاسي والتشريعي غير أن تحويل هذه التفاهمات إلى واقع تنفيذي ملموس يواجه تعنتًا متبادلاً بين القوى الفاعلة، مما يجعل المسار السياسي رهينة للحسابات الضيقة والرفض المتبادل لمخرجات اللجان المصغرة، وهو ما يحرم الشارع الليبي من حقه المشروعة في اختيار قيادته عبر صندوق الاقتراع.
تقارير أممية وحقوقية توثق الكارثة المعيشية: الإنفاق الموازي وتفتيت المال العام
وأوضحت الوثائق الأممية والحقوقية، أن وجود سلطات تنفيذية متنافسة أدى إلى استشراء الإنفاق الموازي خارج الأطر الميزانياتية الموحدة، وتشتيت موارد الدولة النفطية، وارتفاع معدلات التضخم، وشلل المرافق الأساسية كالمستشفيات وشبكات الكهرباء والمياه.
وتشدد المنظمات الدولية على أن استمرار النزاع على الشرعية يكرس انتهاك الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للشعب الليبي، ويحرم الفئات المستضعفة من حمايتها القانونية والمعيشية.
التوافق الدولي على ملاحقة المعرقليين: أدوات مجلس الأمن لفرض التسوية الشاملة
وتؤكد المصادر الرسمية، أن التوافق الدولي يتجه لاستخدام الأدوات الزجرية المتاحة لدى البعثة ومجلس الأمن، وفي مقدمتها إدراج الأشخاص والكيانات المتسببة في تعطيل التسوية أو تقويض اتفاق “4+4” على قوائم العقوبات الدولية.
وتهدف هذه التحركات إلى تجفيف منافذ الفساد، ومحاصرة التدخلات الخارجية التخريبية، والدفع نحو تشكيل حكومة تكنوقراط موحدة مصغرة تقتصر مهامها على إدارة المرحلة الانتقالية، وحسم الملفات الخدماتية العاجلة، وإيصال البلاد إلى الانتخابات بحدود عام 2027.
إن إنهاء أزمات ليبيا الممتدة يقتضي الابتعاد عن الارتهان للمبادرات الخارجية المقيدة، وتفعيل الحوار الوطني الداخلي الشامل لإنجاز التوافق الدستوري ويبقى إخضاع كافة التشكيلات والأجهزة التنفيذية لقيادة موحدة، وتوزيع الثروات الوطنية بشفافية، والالتزام الصارم بخارطة طريق محددة بزمن، المدخل الأساسي لاستعادة السيادة الوطنية، وصيانة وحدة الأراضي الليبية، وبناء دولة القانون والمؤسسات.

