تكشف التطورات القضائية المتلاحقة والتقارير الحقوقية الموثقة عن خبايا بالغة الخطورة تحكم مشهد الصراع الدموي في السودان، حيث تتحول مقدرات الدولة وموارد الشعب إلى أدوات لتمويل الحرب والتربح الشخصي لصالح قيادات المؤسسة العسكرية.
وفي الوقت الذي يواجه فيه ملايين المواطنين العزل أسوأ أزمات الجوع والنزوح وانهيار كامل للبنية التحتية والخدمات الأساسية، تثبت المستندات والأحكام القضائية الباتة تورط شبكات تسليح ضخمة تضم مسؤولين حاليين وسابقين في الجيش السوداني ضمن مخططات منظمة للاتجار غير المشروع بالأسلحة والعتاد العسكري وغسل الأموال، مما يجهض مساعي السلام ويكرّس معاناة إنسانية غير مسبوقة في تاريخ البلاد الحديث.
شبكات كارتيلات الحرب: استغلال الصراع لتحقيق المكاسب المالية على حساب المدنيين
تُجمع القراءات التحليلية والتقارير الصادرة عن المنظمات الحقوقية والدولية على أن استمرار الحرب الدائرة في السودان منذ أبريل 2023 لم يعد مجرد نزاع عسكري تقليدي، بل تحول إلى بيئة مثالية لعمل شبكات مصالح واقتصاد خفي تُعرف بـ”كارتيلات الحرب”.
وترتبط هذه الشبكات الوثيقة بموروث الدولة العميقة وشبكات الإخوان التي توغلت في مفاصل المؤسسة العسكرية لعقود طويلة. وتكشف الوقائع المستندة إلى تحقيقات قضائية دقيقة عن استخدام مستندات شحن مضللة، وشركات واهمة، وتحويلات مصرفية معقدة لإخفاء الطبيعة الحقيقية لشحنات الأسلحة والذخائر الموجهة إلى الجيش، بينما يُترك المدنيون في مختلف الولايات لمواجهة مصيرهم المظلم وسط نقص حاد في الغذاء والدواء والرعاية الصحية.
أدوار قيادات الجيش السوداني في صفقات التسليح غير المشروع وتضليل الرقابة
وأظهرت حيثيات الأحكام القضائية الصادرة عن محكمة أبوظبي الاتحادية الاستئنافية تفاصيل دقيقة ومروعة حول الأدوار التي اضطلع بها كبار قادة الجيش السوداني ومستشاروه في إدارة شبكات تهريب السلاح والتحويلات المالية غير المشروعة.
وثبت تورط قيادات رفيعة المستوى تشرف على قطاع التسليح في إصدار طلبات شراء الأسلحة والعتاد العسكري، واتخاذ إجراءات لتسهيل هبوط طائرات الشحن في مطار بورتسودان عبر إخفاء طبيعة حمولاتها وإظهارها زيفاً على أنها مستلزمات طبية وأدوات إغاثية.
وتشير المستندات إلى أن هذه الصفقات تمت بمعزل عن أي منظومة مؤسسية رقابية، مما يعكس تحول المؤسسة العسكرية إلى كيان يخضع لأجندات شخصية تهدف إلى تعزيز النفوذ وإطالة أمد الصراع على حساب دماء الشعب السوداني ومستقبله.
التداعيات الإنسانية الكارثية: تراجع الخدمات وتفاقم موجات النزوح والجوع
وتؤكد التقارير الأممية الصادرة عن وكالات الإغاثة الدولية، أن تداعيات هذه الممارسات الإجرامية وشبكات الفساد المالي والعسكري تتجسد بوضوح في الأرقام المفزعة التي توثق أكبر أزمة نزوح وجوع في العالم.
ومع تركيز القيادات العسكرية على تمويل صفقات التسليح وتغذية آلة الحرب، شهدت القطاعات الحيوية كالتعليم والصحة انهيارًا شبه تام، وارتفعت أعداد الجياع والمشردين لتتجاوز عشرات الملايين في دارفور،، ومختلف مناطق السودان.
وتؤكد البيانات الحقوقية أن استمرار تدفق الأسلحة واستخدام الطيران الحربي والمسيرات ضد التجمعات المدنية يمثلان جريمة حرب ممنهجة تستوجب تدخلًا دوليًا عاجلًا لوقف الانتهاكات ورفع الحصار عن المدنيين العزل.
تؤكد القوى والشخصيات الوطنية المدنية في السودان، أن أي مسار حقيقي نحو تحقيق السلام والتسوية السياسية الشاملة يجب أن يسبقه اتخاذ إجراءات رادعة تضمن عدم الإفلات من العقاب، ومحاسبة كافة المتورطين في جرائم الحرب والفساد المالي.
وفي هذا السياق، ترتفع المطالبات الحقوقية الموجهة إلى المجتمع الدولي بضرورة فرض حظر شامل وصارم على توريد الأسلحة والذخائر إلى كافة الأراضي السودانية، وتجفيف منابع تمويل الميليشيات والأطراف العسكرية المتحاربة.
إن تفكيك هذه الشبكات الإجرامية وقطع دابر المستفيدين من إطالة أمد الحرب يمثلان الخطوة الأساسية والوحيدة لإعادة بناء دولة المؤسسات، وتحقيق العدالة الانتقالية، وضمان أمن واستقرار ومستقبل الشعب السوداني.

