يواجه الاقتصاد العراقي واحدة من أسوأ الأزمات الهيكلية والمالية في تاريخه الحديث، متأثراً بشدة بالتبعات المدمرة للتوترات الإقليمية وإغلاق الملاحة البحرية.
ومع اندلاع الحرب في 28 فبراير إثر الضربات العسكرية المتبادلة في المنطقة، وتقييد حركة السفن بشكل شبه كامل عبر مضيق هرمز الاستراتيجي، وجد العراق نفسه محاصرًا في زاوية ضيقة باعتباره دولة تعتمد بصورة شبه مطلقة على صادرات الطاقة الماراة عبر هذا الممر الحيوي.
وفي ظل هذه الظروف الاستثنائية، كشف صندوق النقد الدولي عن تحركات عاجلة لإعداد برنامج إقراض جديد لبغداد، وسط توقعات صادمة بانكماش الاقتصاد العراقي بنسبة هائلة تصل إلى 16% خلال العام الجاري، مما ينذر بتداعيات معيشية واجتماعية بالغة القسوة على المواطنين العزل.
صدمة انكماش الاقتصاد العراقي بنسبة 16%: تقارير صندوق النقد الدولي تدق ناقوس الخطر
وأكدت المتحدثة باسم صندوق النقد الدولي، جولي كوزاك، خلال مؤتمر صحفي موسع عقد في العاصمة الأمريكية واشنطن، أن المؤسسة الدولية بصدد إعداد برنامج إقراض جديد لدعم العراق، وذلك بعد انطلاق جولة محادثات مكثفة ومباشرة مع السلطات الرسمية في بغداد.
وتأتي هذه الخطوة الطارئة عقب تحذيرات رسمية أصدرها الصندوق في تقاريره الحديثة لشهر أكتوبر/تشرين الأول، والتي توقعت انكماش الاقتصاد العراقي بنسبة غير مسبوقة بلغت 16% خلال العام الجاري.
وأوضحت كوزاك، أن العراق كان يعاني أساسًا من قيود تمويلية شديدة وهشاشة هيكلية عميقة قبل اندلاع الأزمة الأخيرة، لافتة إلى أن محدودية قاعدة الإيرادات غير النفطية تفرض ضغوطًا هائلة ومستمرة على مالية الدولة وقدرتها على الإيفاء بالتزاماتها الأساسية تجاه المواطنين.
تداعيات إغلاق مضيق هرمز وعسكرة الملاحة: الشريان النفطي المعطل يهدد الموازنة العامة
ويمثل الاعتماد المفرط على صادرات الطاقة نقطة الضعف القاتلة في هيكل الاقتصاد العراقي، وهو ما تجلى بوضوح مع تصاعد التوترات الإقليمية منذ أواخر فبراير الماضي.
فنتيجة للقيود المشددة واستهداف السفن التجارية التي تحاول عبور مضيق هرمز دون تنسيق أمني صارم، تعرضت صادرات النفط العراقية لتعطل شبه كامل، تزامنًا مع الحصار المفروض على الموانئ الإقليمية المرتبطة بمسارات النقل البحري.
وأشارت البيانات الاقتصادية الرسمية إلى أن توقف هذا الشريان الحيوي أدى إلى تبخر العائدات السيادية الرئيسية التي تمول النفقات الحكومية ورواتب الموظفين وقطاعات الخدمات الأساسية، مما أدخل البلاد في دوامة غير مسبوقة من الشح المالي والتعطل الكامل لمشاريع التنمية والبنية التحتية.
الديون والالتزامات الدولية: تراكم أعباء القروض وسط عجز هيكلي متفاقم
وتُلقى الأزمات المالية الحالية بظلالها الثقيلة على ملف الديون الخارجية والداخلية المترتبة على الدولة العراقية. وتجدر الإشارة إلى أن آخر برنامج تمويلي عقده العراق مع صندوق النقد الدولي كان قد انتهى رسميًا في عام 2019، وتترتب على الخزانة العامة حتى الآن مدفوعات فوائد والتزامات مالية ضخمة لمصلحة المؤسسة الدولية تبلغ نحو 428 مليون دولار مستحقة السداد حتى عام 2030.
وكانت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، قد كشفت خلال الاجتماعات السنوية للصندوق في بانكوك في وقت سابق من الشهر الجاري، عن تقدم بغداد بطلب رسمي للحصول على برنامج دعم جديد.
وفي الوقت الذي أشادت فيه غورغييفا بمتانة بعض الاقتصاديات العالمية، حذرت بوضوح من أن تداعيات النزاعات الإقليمية تتفاوت بشكل كارثي، لافتة إلى أن الاقتصاديات الأكثر هشاشة، وفي مقدمتها الاقتصاد العراقي، تتعرض لأضرار جسيمة ومباشرة.
انعكاسات الأزمة على الخدمات العامة والقطاعات الحيوية في الشارع العراقي
ولم تقتصر التداعيات الاقتصادية المدمرة لتراجع العائدات وإغلاق المضيق على موازنة الدولة فحسب، بل امتدت لتضرب بعمق منظومة الخدمات الأساسية والمعيشية للمواطنين. فقد سجلت قطاعات حيوية واسعة، تتراوح بين المعاملات الحكومية وخدمات إصدار الجوازات وصولاً إلى قطاع الطيران والنقل الجوي، تأثرًا ملحوظًا جراء تغيرات أسعار الصرف ونقص السيولة النقدية الأجنبية.
وتؤكد التقارير الميدانية أن المواطن العراقي بات يتحمل النصيب الأكبر من أعباء هذا الانكماش الاقتصادي الحاد، وسط ارتفاع معدلات التضخم وتراجع القدرة الشرائية للدينار العراقي، وتفاقم مصاعب الحصول على السلع الأساسية والمواد الغذائية والخدمات الطبية اللائقة في مختلف المحافظات.
وتُجمع المؤسسات المالية الدولية والخبراء الاقتصاديين على أن الحصول على برنامج إقراض جديد من صندوق النقد الدولي لن يكون عصًا سحرية لحل أزمات العراق البنيوية ما لم تقترن بإصلاحات جذرية وحقيقية على أرض الواقع.
وتشمل هذه الإصلاحات الضرورية تنويع مصادر الدخل القومي بعيداً عن الهيمنة المطلقة لعائدات النفط، وتوسيع قاعدة الإيرادات الضريبية وغير النفطية، ووضع آليات صارمة لضبط النفقات العامة ومكافحة الفساد المالي المستشري في مفاصل الدولة.
إن معالجة مواطن الضعف الهيكلي تتطلب إرادة سياسية حازمة لإنهاء الهدر المالي وتحقيق الشفافية الكاملة، لضمان توجيه الموارد المتاحة نحو تعزيز الصمود الاقتصادي وحماية الفئات الأكثر هشاشة من شبح الفقر والمجاعة.

