ذات صلة

جمع

أسرار العصر الحديدي في بريطانيا.. ماذا نعرف عن درع باترسي البرونزي؟

لم يكن درع باترسي مجرد قطعة معدنية عثر عليها...

سقوط خلايا الموت.. كيف تفضح الشحنات البحرية وشبكات التهريب زيف أسطورة التصنيع الحوثي؟

تتوارى أوهام القوة والادعاءات المصطنعة التي تروج لها الميليشيات...

شحنة المتفجرات تشعل الخلاف في لبنان.. هل يُحال ملف حزب الله إلى المجلس العدلي؟

تختفي ادعاءات المقاومة وحماية الوطن في لبنان خلف سحب...

أسرار العصر الحديدي في بريطانيا.. ماذا نعرف عن درع باترسي البرونزي؟

لم يكن درع باترسي مجرد قطعة معدنية عثر عليها في قاع نهر التايمز، بل تحول إلى واحد من أبرز الشواهد الأثرية على حضارة السلت في بريطانيا خلال العصر الحديدي، بفضل تصميمه البرونزي الفريد وزخارفه المعقدة التي تثير تساؤلات مستمرة حول الغرض الحقيقي من صنعه.

فعلى الرغم من أن شكله يوحي بأنه أداة للحماية في المعارك، فإن غياب علامات الاستخدام الحربي عليه يدفع علماء الآثار إلى طرح تفسير مختلف، وهو أنه ربما صُنع خصيصًا لتقديمه قربانًا طقسيًا في مياه النهر، في ممارسة تكشف جانبًا من المعتقدات الروحية لدى المجتمعات القديمة.

وتزداد أهمية هذه القطعة بسبب تاريخها الممتد لأكثر من ألفي عام، فضلًا عن ارتباطها بمكان اكتشافها وطبيعة زخارفها التي تجمع بين الأشكال الهندسية والعناصر المستوحاة من الطبيعة.

ووفقًا لما نشره موقع «لايف ساينس»، فإن درع باترسي يُعد من أشهر التحف الأثرية المكتشفة في نهر التايمز، كما يمثل نموذجًا بارزًا لفنون صناعة المعادن لدى السلت في بريطانيا قبل اكتمال السيطرة الرومانية على الجزيرة.

اكتشاف درع باترسي عام 1857.. كيف ظهر الكنز البرونزي؟

بدأت قصة درع باترسي عام 1857، عندما عثر عليه أحد عمال البناء مصادفة أثناء أعمال تشييد جسر فوق نهر التايمز في لندن.

واكتسب الدرع اسمه من حي باترسي القريب من موقع العثور عليه، ليصبح لاحقًا إحدى القطع الأثرية المرتبطة بتاريخ بريطانيا القديمة، بعدما انتقل إلى مجموعة مقتنيات المتحف البريطاني.

وجاء اكتشاف الدرع خلال أعمال إنشائية لم يكن الهدف منها البحث عن آثار تاريخية، وهو ما يوضح كيف يمكن للمشروعات الحديثة أن تكشف عن بقايا مادية ظلت مخفية تحت المياه أو الرواسب لقرون طويلة.

وقد منح العثور على القطعة الباحثين فرصة لدراسة مهارة الحرفيين القدماء، والتعرف على تقنيات تشكيل البرونز وتزيينه، إلى جانب محاولة فهم الظروف التي انتهت بها إلى قاع النهر.

ويتكون الدرع من صفائح برونزية رقيقة جرى تثبيتها معًا باستخدام المسامير، وكان من المفترض أن تُثبت هذه الصفائح على قاعدة داعمة مصنوعة من مادة عضوية، مثل الخشب أو الجلد، وفقًا للتفسير المتعلق ببنيته الأصلية.

لكن هذه المادة لم تصمد أمام عوامل الزمن والبيئة، ولم يتبق منها أثر واضح، الأمر الذي يجعل إعادة بناء الشكل الكامل للدرع في صورته الأولى مهمة تعتمد على دراسة أجزائه المعدنية وما بقي من تفاصيله.

درع صنع في بريطانيا قبل الغزو الروماني

وتشير دراسة تصميم درع باترسي إلى أنه صُنع محليًا في بريطانيا، وليس قطعة مستوردة من إحدى الثقافات السلتية الأخرى. ويستند هذا التفسير، وفقًا لخبراء المتحف البريطاني، إلى مجموعة من السمات الفنية والهندسية، من بينها النتوء الدائري البارز في منتصف الدرع، الذي يرتبط بتصميمات تهدف إلى حماية قبضة اليد.

ويعود تاريخ صناعة الدرع إلى الفترة ما بين عامي 350 و50 قبل الميلاد، وهي مرحلة شهدت تطورًا ملحوظًا في الصناعات المعدنية والفنون لدى المجتمعات التي عاشت في بريطانيا خلال العصر الحديدي.

ويعني ذلك أن القطعة سبقت الغزو الروماني الفعلي للجزيرة بقرون أو عقود، بحسب الفترة التي يُستند إليها في تحديد بداية التدخل الروماني، كما أنها أقدم من الغزو الذي قاده الإمبراطور كلوديوس عام 43 ميلادية.

وسبق ذلك قيام يوليوس قيصر بحملتين إلى بريطانيا عامي 55 و54 قبل الميلاد، لكنهما لم تؤديا إلى إخضاع الجزيرة بصورة دائمة.

وتمنح هذه الخلفية التاريخية درع باترسي أهمية إضافية، لأنه يعكس مستوى الحرفية والتقاليد الفنية المحلية قبل أن تتغير ملامح الحياة السياسية والثقافية في بريطانيا تحت التأثير الروماني.

زخارف درع باترسي.. رموز سلتية وأشكال تحاكي حركة المياه

تلفت الزخارف المعقدة الأنظار إلى درع باترسي، إذ تغطي واجهته مجموعة من العناصر الفنية التي تشمل أشكالًا نباتية تشبه سعف النخيل، وخطوطًا منحنية على هيئة حرف «S»، إلى جانب 27 فصًا دائريًا تتداخل فيها عناصر من المينا الزجاجية الحمراء والبرونز.

وتكشف هذه التفاصيل عن دقة واضحة في التنفيذ، وعن اهتمام صانع الدرع بالتوازن البصري وتكرار الأشكال الهندسية.

ولا تقتصر أهمية هذه الزخارف على قيمتها الجمالية، إذ يرى الباحثون أنها قد تحمل دلالات رمزية مرتبطة بالمعتقدات السلتية القديمة. وتُفسر بعض الأشكال المتكررة باعتبارها رموزًا للحظ السعيد أو الحماية، فيما طرحت عالمة الآثار صوفيا آدامز، أمينة المتحف البريطاني، احتمال أن تكون الدوائر بمثابة «أعين تحدق في وجه الأعداء»، في إشارة إلى وظيفة رمزية محتملة تتجاوز الجانب الزخرفي.

ومع ذلك، لا يمكن الجزم بمعنى واحد لجميع النقوش، لأن تفسير الرموز القديمة يعتمد على مقارنتها بقطع أثرية أخرى وبالسياق التاريخي والثقافي الذي ظهرت فيه.

وتظل الزخارف أحد أهم مفاتيح دراسة الدرع، خصوصًا أنها تجمع بين عناصر نباتية وأشكال هندسية متكررة، فيما يرى بعض الباحثين أن انحناءاتها قد تستحضر دوامات المياه وحركتها.

لماذا يرجح علماء الآثار أن درع باترسي لم يستخدم في المعارك؟

يتمثل أحد أكثر الأسئلة إثارة للاهتمام في تاريخ درع باترسي في سبب غياب آثار الضربات أو التلفيات التي يُتوقع ظهورها على قطعة استُخدمت فعليًا في القتال.

فبالرغم من تصميمه الذي يرتبط بالدروع التقليدية، فإن حالته والزخارف الدقيقة التي تغطي سطحه تدعمان احتمال أنه لم يكن معدًا للاستخدام الحربي المعتاد.

وبناءً على ذلك، يرجح بعض علماء الآثار أنه ربما صُنع لتقديمه قربانًا طقسيًا أو روحيًا، ثم أُلقي في نهر التايمز بوصفه جزءًا من ممارسة دينية مرتبطة بالآلهة أو الأجداد.

ويأتي هذا التفسير في ضوء أهمية الأنهار والمياه في بعض الممارسات الطقسية القديمة، فضلًا عن العثور على قطع معدنية وأسلحة وأغراض أخرى في بيئات مائية ضمن مواقع أثرية مختلفة.