تختفي ادعاءات المقاومة وحماية الوطن في لبنان خلف سحب داكنة من المخاطر الأمنية المتزايدة والانتهاكات الصارخة لسيادة القانون، حيث لم يعد ينظر إلى نشاط الميليشيات المسلحة وسلاحها الخارج عن إطار الدولة باعتباره وجهة نظر سياسية، بل تحول إلى تهديد مباشر لحياة المواطنين وأمن الاستقرار الوطني.
هذا الحادث الخطير لم يكشف فقط عن استمرار تهريب المتفجرات والمواد الممنوعة، بل وضع الحكومة والقضاء والقيادات الروحية والسياسية أمام اختبار مصيري يتعلق بالقدرة على فرض سيادة الدولة واحتكار قرارات السلم والحرب.
تقارير أممية وحقوقية توثق بالأرقام والتواريخ خطورة السلاح الميليشياوي في لبنان
تتطابق المعطيات الميدانية والتحقيقات القضائية الجارية في بيروت مع التقارير الرسمية الصادرة عن الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية الدولية، والتي توثق بالأرقام والتواريخ حجم الأخطار الكارثية الناتجة عن انتشار السلاح غير الشرعي وتغول الميليشيات.
فوفقًا للتقرير الدروي الأممي الخاص بتنفيذ القرار 1559 والقرار 1701 الصادر عن الأمين العام للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي لعام 2026، فإن استمرار وجود مجموعات مسلحة غير تابعة للدولة وفي مقدمتها حزب الله يمثل العائق الرئيسي أمام بسط سلطة الحكومة اللبنانية على كامل أراضيها، ويشكل خرقًا دائمًا لاتفاق الطائف والقرارات الدولية ذات الصلة.
وتشير البيانات الصادرة عن المركز التنسيقي للحقوق والحريات والمنظمات الحقوقية اللبنانية لعام 2026، إلى أن السلاح غير الشرعي تسبب خلال السنوات الماضية في سقوط مئات القتلى والجرحى من المدنيين نتيجة انفجارات المخازن العشوائية بين الأحياء السكنية، فضلاً عن الاشتباكات المتفرقة، والاغتيالات السياسية، وعرقلة العدالة في تحقيقات انفجار مرفأ بيروت الكارثي.
وتوضح التقييمات الحقوقية الموثقة، أن نقل مئات الكيلوغرامات من المواد المتفجرة عبر الطرقات العامة دون أدنى تراخيص أو معايير أمان يشكل جريمة حرب موثقة وضد السلامة العامة، مما يستدعي تدخلاً حازمًا من المحاكم الوطنية والدولية لملاحقة شبكات التهريب وتجريد الميليشيات من أدوات الترهيب.
تفاصيل الشحنة المضبوطة وانقسام الحكومة حول الإحالة للمجلس العدلي
وفي تفاصيل الملف القضائي والأمني المشتعل، أوقفت الأجهزة الأمنية اللبنانية في مطلع شهر أكتوبر الحالي شاحنة محمّلة بكميات هائلة من المتفجرات والذخائر في إحدى المناطق الحساسة.
وأقرت قيادة حزب الله صراحة بملكيتها لهذه الشحنة، محاولة تبرير نقلها بكونها كانت مخصصة لأغراض الجبهة الجنوبية؛ مما أثار عاصفة من الرفض السياسي والمجتمعي.
ويتواصل التحقيق القضائي تحت إشراف النيابة العامة التمييزية، حيث جرى توقيف عدد من المشتبه في تورطهم وملاحقة فارين آخرين، وسط مطالبة رسمية تقدم بها وزير العدل عادل نصار لإحالة الملف برمته إلى المجلس العدلي، وهو أعلى هيئة جنائية استثنائية في لبنان لا تقبل أحكامها أي طريق من طرق الطعن.
وعلى الرغم من عقد الحكومة اللبنانية جلسة خُصصت لدراسة الأزمة برئاسة رئيس الوزراء وحضور الوزراء المعنيين، فقد أرجئ البت في طلب الإحالة إلى المجلس العدلي لمتابعة نتائج التحقيقات الجارية.
وأكد وزير الإعلام بول مرقص عقب الجلسة، أن مجلس الوزراء شدد على الخطورة الاستثنائية للقضية لكونها تمس الأمن القومي وسلامة المواطنين، مؤكدًا ضرورة متابعة التحقيقات إلى أقصى مدى دون أي سقف سوى سقف القانون.
وتؤكد المصادر القانونية المطلعة، أن إقرار حزب الله بملكية المتفجرات يمثل “أم القرائن” ودليلاً قاطعًا على خرق القوانين ومراسيم حصرية السلاح؛ مما يمنع الحزب من التملص من التبعات القانونية والجنائية لهذا الاعتراف الموثق.
مواقف روحية وسياسية حاسمة: الراعي وبو عاصي يرفضون ارتهان الوطن
أثارت هذه الواقعة ردود فعل واسعة من القيادات الدينية والسياسية؛ إذ حذر البطريرك الماروني الكاردينال بشارة بطرس الراعي من أن تكرار محاولات تهريب المتفجرات والأسلحة عبر الحدود وإحداث ثغرات أمنية يمثل تهديدًا مباشرًا لاستقرار لبنان برمته.
وأكد الراعي في مواقفه المعلنة، أن حصر السلاح بيد المؤسسات العسكرية والشرعية هو الشرط الأساسي والوحيد لقيام دولة قادرة وعادلة، مشددًا على أنه لا يمكن قبول قيام دولة ضعيفة أمام الفوضى وتعدد المرجعيات الأمنية على حساب أمن المواطن وسيادة الوطن.
ومن جانبه، شن عضو كتلة “الجمهورية القوية” النائب بيار بو عاصي هجومًا حادًا على ممارسات حزب الله، موضحًا أن مفهوم السلم الأهلي لا يمكن أن يعني السماح بنقل مئات الكيلوغرامات من المتفجرات بين المدن والقرى اللبنانية تحت شعارات فضفاضة
وأشار بو عاصي إلى أن الميليشيات هي الطرف الوحيد القادر على جر البلاد إلى آتون الفتنة والحرب، داعيًا إلى عدم الاستسلام لمنطق من يأخذ الوطن والشعب رهينة ويستمر في ممارسة الابتزاز السياسي والأمني ضد مؤسسات الدولة والقضاء.
وفي المقابل، تواصل قيادة حزب الله عبر تصريحات مسؤوليها التمسك بمواقفها الرافضة لقرارات الدولة، والمطالبة بإعادة شحنة المتفجرات والإفراج عن الموقوفين، في تحدٍ واضح لإرادة اللبنانيين والدستور.
إن استمرار هذا الوضع الشاذ ينذر بتفكك ما تبقى من هياكل الدولة ويهدد الأمن القومي والسلم الأهلي بالانهيار الشامل. ولم يعد أمام الحكومة اللبنانية والقضاء والأجهزة العسكرية سوى اتخاذ موقف تاريخي حاسم يرفض المساومة على أمن المواطنين، ويصر على استكمال التحقيقات حتى النهاية، وتطبيق القرارات الدولية والدستورية التي تضمن حصر السلاح والقرار الإستراتيجي بيد الدولة وحدها، إنقاذًا للبنان وشعبه من المصير المجهول.

