تتوارى ادعاءات الحسم العسكري والشرعية الزائفة في السودان خلف سحب داكنة من الغضب الشعبي المتصاعد والانهيار المعيشي المريع، حيث لم يعد الرفض الجماهيري لسلطة الأمر الواقع حبيس الغرف المغلقة أو الجلسات الخاصة، بل تحول إلى بركان رقمي وسياسي يجتاح منصات التواصل الاجتماعي والمجال العام.
وفي هذا السياق، شهدت الساحة السودانية تصاعدًا غير مسبوق لوسم «أختانا» – والذي يعني في الوجدان والمالية المحلية «انصرف عنّا ودعنا وشأننا» للجم المطامع العسكرية والمطالبة الصريحة برحيل قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، في تعبير مكثف عن وصول قطاعات واسعة من المواطنين إلى أقصى حدود الاحتمال، عقب تحويل البلاد إلى ساحة حرب مستعرة أحرقت الأخضر واليابس وألقت بملايين الأسر في أتون الجوع والنزوح والفقر المتقع.
تقارير أممية وحقوقية توثق بالأرقام حجم الكارثة الإنسانية والانتهاكات في السودان
فوفقًا لأحدث البيانات الموثقة الصادرة عن منظمة الهجرة الدولية ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لعام 2026، تجاوز أعداد النازحين داخل البلاد والمهاجرين قسراً عبر الحدود أحد عشر مليون شخص، مما جعل الأزمة السودانية أكبر أزمة نزوح وحماية إنسانية على مستوى العالم.
كما أكدت تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن أكثر من أربعة وعشرين مليون شخص أي ما يعادل نصف سكان البلاد باتوا بحاجة ماسة إلى المساعدات الإغاثية والغذائية العاجلة للبقاء على قيد الحياة.
وفي ذات السياق، توثق تقارير المفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة ولجان التحقيق الدولية المستقلة سقوط عشرات الآلاف من الضحايا المدنيين نتيجة القصف الجوي العشوائي، واستخدام الأسلحة الثقيلة في المناطق المأهولة بالسكان، وتدمير البنية التحتية والمستشفيات، إلى جانب تفشي عمليات النهب والاعتقال التعسفي.
وتؤكد البيانات الحقوقية، أن عجز قيادة الجيش عن حماية المدنيين، وتوفير الممرات الآمنة، وتسهيل عبور قوافل الإغاثة الإنسانية إلى المناطق المنكوبة، يمثل انتهاكًا صارخًا لقواعد القانون الدولي الإنساني ومواثيق حقوق الإنسان، مما يضع السلطة القائمة أمام مسؤولية جنائية ودولية عن تفاقم المجاعة وخنق الحياة العامة.
الذكرى الخامسة للانقلاب وتهاوي الرهانات العسكرية على الحسم
تأتي هذه الحملة الشعبية العارمة بالتزامن مع الذكرى الخامسة لانقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر 2021، الذي قاده عبد الفتاح البرهان لعصوف بقطار الانتقال الديمقراطي والاطاحة بالحكومة المدنية الانتقالية.
وأكد قياديون في القوى الوطنية، من بينهم قيادات حزب الأمة القومي ومراقبون سياسيون، أن ذلك الانقلاب عطل مؤسسات الدولة، وأعاد تمكين شبكات النظام الإخواني السابق وأذرعها التخريبية داخل مفاصل القرار، مما مهد الطريق لإشعال الحرب الحالية.
وقد تعاملت القيادة العسكرية مع النزاع المسلح باعتباره فرصة لإعادة إنتاج شرعيتها المفقودة وتأبيد حكمها تحت شعارات قيادة الدولة، غير أن هذا الرهان انهار كليًا مع استطالة أمد المواجهات، واتساع رقعة الدمار، وتراجع قدرة المؤسسات الاقتصادية عن تقديم أدنى الخدمات الأساسية.
لقد أخفقت الحرب في تحقيق النصر السريع الذي وُعد به الشارع، وخلّفت بدلاً من ذلك شللاً تاما في الإنتاج، وانهيارًا تاريخيًا لقيمة العملة الوطنية أمام العملات الأجنبية، وتوقفًا لمرتبات وأجور العاملين في القطاعين العام والخاص، فضلاً عن تفشي الفساد المالي، وتهريب الذهب والموارد الوطنية، وتعدد الجبايات والمكوس العسكرية التي أثقلت كاهل التجار والمواطنين.
وأصبحت السلطة تحاول معالجة هذا الانهيار الهيكلي بإجراءات متفرقة وترقيعية مثل عقد اللجان والتوجيهات الشكلية، بينما تترك جذور الأزمة الشاملة عارية دون حلول جادة؛ وفي مقدمتها استمرار الحرب وتوسع الإنفاق العسكري على حساب قطاعات الصحة والتعليم والإطعام.
انكسار سردية الصبر والتحول نحو حركة احتجاجية وسياسية شاملة
تشير القراءات التحليلية لسلوك الشارع السوداني إلى أن إطلاق وسم «أختانا» يمثل مؤشرًا مبكرًا وخطيرًا على انكسار ما كان يُعرف بسردية “الصبر حتى النصر”، وانتقال التذمر والمواقف الرافضة من المجالس الخاصة إلى الفضاء العام.
إن كلمة «أختانا» في الثقافة السياسية والشعبية السودانية لا تعني مجرد المطالبة بالاستقالة أو التنحي، بل تعني بشكل قطعيًا إعلان سحب الثقة، وانتهاء التفويض السياسي، ورفض منح السلطة المزيد من الوقت لبقاء أمراء الحرب على رأس السلطة.
ويرى مراقبون، أن هذا الحراك الرقمي، إذا ما تقاطع مع إضرابات المعلمين والأطباء والمهنيين، واحتجاجات التجار في الأسواق ضد الجبايات، سينصهر قريبًا لي شكل حركة احتجاجية وسياسية شاملة تعيد للثورة التونسية والسودانية ألقها الميداني.
وفي المقابل، تحاول الأجهزة الأمنية والمعلامية التابعة لسلطة الأمر الواقع احتواء هذه الموجة الاحتجاجية عبر تخوين المشاركين فيها، ووصمهم بالعمالة أو تبعية لأطراف الصراع الأخرى، وتوسيع نطاق الملاحقات الأمنية والتجريم الإلكتروني للنشر.
غير أن هذه الأدوات القمعية تعجز تمامًا عن تقديم أي حلول للمجاعة المحدقة وطوابير الخبز والوقود المتطاولة، وتعمق القناعة لدى المواطن السوداني بأن السلطة العسكرية فقدت تمامًا القدرة على الإقناع، ولم يعد لديها للتعامل مع الشعب سوى التخويف والترهيب ورفع كلفة الاحتجاج.
إن الرحيل والمحاسبة لم يعد مجرد مطلب سياسي لطرف دون آخر، بل أصبح شرطًا حتميًا وواجب التنفيذ لفتح مسار جاد نحو وقف إطلاق النار، وتشكيل سلطة مدنية انتقالية مستقلة تعبر عن تطلعات ثورة ديسمبر المجيدة.
ولم يعد أمام المجتمع الدولي والأطراف الإقليمية سوى الاستجابة لرغبة الشعب السوداني، وإخضاع الموارد الوطنية للرقابة المدنية، وإنهاء سلطة الحرب لإعادة بناء الدولة على أسس الحرية والسلام والعدالة.

