ذات صلة

جمع

حرب الإبادة والتهجير القسري.. كيف تقود سياسات البرهان السودان نحو الانهيار الشامل؟

تخوض الأقاليم والولايات السودانية واحدة من أشد المراحل دموية...

قطعة أثرية واحدة قد تغير التسلسل الزمني.. كيف يختبر العلماء تواريخ الماضي؟

قد لا تكون القطعة الأثرية قديمة بالقدر الذي اعتقده...

تفكيك نظام ولاية الفقيه.. كيف أصبحت سيستان وبلوشستان نقطة الضعف الأمنية الأبرز لطهران؟

يواجه النظام الإيراني في طهران اختبارًا أمنيًا وعسكريًا هو...

من تركة الإخوان إلى العجز الهيكلي.. كيف يستنزف الدينار التونسي بغياب التمويل الإنتاجي؟

تخوض الدولة التونسية معركة اقتصادية ومالية مصيرية لمواجهة الاختلالات...

قطعة أثرية واحدة قد تغير التسلسل الزمني.. كيف يختبر العلماء تواريخ الماضي؟

قد لا تكون القطعة الأثرية قديمة بالقدر الذي اعتقده الباحثون، وقد تحمل طبقات الأرض والعملات وحطام السفن أدلة تساعد على إعادة ترتيب أحداث تاريخية مضى عليها أكثر من ألفي عام. وبينما يعتمد علماء الآثار على المقارنة بين أشكال القطع وسياقات اكتشافها والسجلات التاريخية، يبرز برنامج حاسوبي جديد باسم «إراتوستينس» بوصفه أداة لتحليل هذه الأدلة معًا، وتقدير التواريخ المحتملة للآثار بدلًا من الاكتفاء بتاريخ واحد ثابت.

وطوّر عالم الآثار ستيفن كولينز إليوت، من جامعة تينيسي في نوكسفيل، البرنامج بهدف مساعدة الباحثين على بناء تسلسلات زمنية أكثر دقة، من خلال الجمع بين الأدلة الأثرية والتواريخ المعروفة والعلاقات الزمنية بين الأحداث.

ونُشرت الدراسة التي تعرض البرنامج في دورية Journal of Open Source Software في أكتوبر 2026، لتوضح كيف يمكن للتحليل الإحصائي أن يدعم مراجعة التسلسل الزمني للقطع الأثرية.

ما برنامج إراتوستينس؟ وكيف يساعد في تحديد عمر الآثار؟

وتكمن أهمية برنامج «إراتوستينس» في أنه لا يتعامل مع تأريخ القطع الأثرية باعتباره مسألة منفصلة عن بقية الأدلة، بل يحلل العلاقات بين القطع والطبقات التي عُثر عليها فيها والأحداث التاريخية المرتبطة بالموقع.

ويهدف هذا النهج إلى إنتاج تقديرات احتمالية للتواريخ، مع إظهار مدى اتساع نطاق عدم اليقين الذي يحيط بها.

وتعتمد الطرق التقليدية في بناء التسلسلات الزمنية على معلومات متنوعة، من بينها ترتيب الطبقات الأثرية، والتواريخ المعروفة لبعض القطع، ونتائج التأريخ بالكربون المشع، والأحداث التاريخية التي يمكن الاستناد إليها في تحديد حدود زمنية معينة. لكن هذه المعلومات قد تتفاوت في دقتها، وقد تظهر اختلافات بين التقديرات التي يتوصل إليها الباحثون عند دراسة النوع نفسه من القطع.

ويساعد البرنامج على جمع هذه الأدلة ضمن نموذج واحد، بما يسمح بمقارنة التقديرات الزمنية واختبار مدى توافقها مع المعلومات المتاحة، بدلًا من الاعتماد على مؤشر منفرد لتحديد عمر الأثر.

ويعتمد البرنامج على نوعين أساسيين من المعلومات الزمنية؛ الأول هو التاريخ المطلق، الذي يرتبط بتاريخ معروف أو نطاق زمني يمكن الاستناد إليه، والثاني هو التاريخ النسبي، الذي يوضح أن حدثًا وقع قبل حدث آخر أو بعده، حتى إن لم يكن التاريخ الدقيق لكل منهما معروفًا.

فعلى سبيل المثال، إذا عُثر على عملة داخل طبقة أثرية، فقد يساعد تاريخ سك العملة على وضع حد زمني لتكوّن الطبقة، بشرط التحقق من سياق العثور عليها وعدم انتقالها من طبقة أقدم أو أحدث. وتصبح هذه العلاقة أكثر فائدة عند جمعها مع نتائج دراسة الفخار وبقية المكتشفات وتسلسل الطبقات.

ويحلل «إراتوستينس» هذه الروابط ضمن نموذج إحصائي، بما يسمح بتقدير نطاقات زمنية محتملة للأحداث والقطع. ويتيح ذلك للباحثين اختبار ما إذا كانت التقديرات المتاحة متوافقة مع بعضها، أو ما إذا كانت هناك أدلة تستدعي إعادة النظر في التسلسل الزمني المقترح.

لماذا يميز البرنامج بين إنتاج القطعة واستخدامها والعثور عليها؟

من النقاط المهمة في تصميم البرنامج أنه يفرق بين ثلاث مراحل في تاريخ القطعة الأثرية: إنتاجها، واستخدامها، ثم ترسيبها في الموقع الذي عُثر عليها فيه.

وهذا التمييز ضروري لأن تاريخ العثور على القطعة داخل طبقة أثرية لا يساوي بالضرورة تاريخ تصنيعها، كما أن القطعة قد تظل مستخدمة فترة طويلة قبل أن تصل إلى المكان الذي اكتشفها فيه علماء الآثار.

وتساعد هذه المقاربة على تفسير الاختلافات بين التقديرات التاريخية؛ فقد يكون الوعاء الفخاري قد صُنع في فترة معينة، واستُخدم خلال سنوات لاحقة، ثم انتهى به المطاف في حطام سفينة أو طبقة ترابية في تاريخ مختلف. لذلك فإن تحديد تاريخ واحد للقطعة من دون الفصل بين هذه المراحل قد يؤدي إلى تبسيط تاريخها بصورة لا تعكس جميع الأدلة المتاحة.

ويسمح هذا النهج بتقدير تواريخ مختلفة لكل مرحلة، بما يمنح الباحثين صورة أوضح عن دورة حياة القطعة الأثرية وعلاقتها بالسياق الذي اكتُشفت فيه.

ويستخدم «إراتوستينس» أسلوبًا إحصائيًا يُعرف باسم أخذ عينات جيبس (Gibbs sampling)، وهو إحدى تقنيات المحاكاة المستخدمة لتقدير التوزيعات الاحتمالية.

ويكرر البرنامج عمليات الحساب ضمن القيود الزمنية التي يحددها الباحث، وصولًا إلى تقديرات يمكن تحليلها ومقارنتها.

ولا تقتصر أهمية هذه الطريقة على تقديم نطاق زمني محتمل، بل تشمل أيضًا قياس مستوى عدم اليقين في النتائج ومتابعة مدى استقرار الحسابات.

وهذا يمنح الباحث فرصة لتقييم قوة التقدير بدلًا من عرض رقم منفرد قد يبدو أكثر دقة مما تسمح به الأدلة.

كما يتيح البرنامج اختبار تأثير حدث أو معلومة بعينها في بقية التسلسل الزمني، وذلك من خلال استبعادها مؤقتًا ومقارنة النتائج قبل الاستبعاد وبعده فإذا تغيرت التقديرات بصورة ملحوظة، فقد يشير ذلك إلى أن المعلومة المستبعدة تؤدي دورًا مهمًا في تحديد التسلسل الزمني.

وتقدم الدراسة مثالًا تطبيقيًا على استخدام الأدلة الأثرية من البحر المتوسط، حيث يجري الربط بين سياقات أثرية متعددة وحطام سفن وقطع فخارية، إلى جانب أحداث تاريخية معروفة.

ومن أبرز هذه الأحداث تدمير قرطاج على يد روما عام 146 قبل الميلاد، وهو تاريخ يمكن استخدامه حدًا زمنيًا عند تحليل بعض الطبقات المرتبطة بالموقع.

وتشمل الأمثلة أواني الأمفورا، وهي أوعية فخارية استُخدمت في العالم القديم لنقل البضائع وتخزينها، وتُعد أشكالها وخصائصها من الأدلة التي يعتمد عليها الباحثون في دراسة التجارة والتسلسل الزمني للمواقع الأثرية.

وتتناول الدراسة أواني «دريسل 1»، وتوضح كيف يمكن جمع معلومات من سياقات مختلفة للوصول إلى تقديرات احتمالية لفترات إنتاج هذه الأواني واستخدامها وترسيبها.

كما تعرض تحليلًا لحطام سفينة «جراند كونجلو A»، الذي يشير إلى احتمال عودته إلى فترة أقدم من التأريخ المقبول تقليديًا، وهي نتيجة تحتاج إلى مزيد من الفحص ومراجعة القيود الزمنية والأدلة المرتبطة بها.