في وقت يتعرض فيه الشعب السوداني لأبشع أزمة إنسانية وأخلاقية على وجه الأرض، تسللت مفاهيم التصنيف العرقي والأيديولوجي إلى العقيدة العملياتية للجيش السوداني، بقيادة عبد الفتاح البرهان، وتحالفه الميداني المباشر مع الكيانات المسلحة التابعة لتنظيم الإخوان المسلمين؛ إذ تحول مصطلح «الوجوه الغريبة» إلى ذريعة تُستخدم لتبرير قتل وملاحقة آلاف المدنيين الأبرياء في ولايات كردفان ودارفور والجزيرة والخرطوم.
ولم يعد القصف الجوي والهجمات بالطائرات المسيّرة مجرد أخطاء ميدانية، بل تحولا إلى منهجية تكتيكية ممنهجة تستهدف تجريف الحواضن الشعبية المفترضة واستهداف الأسواق المكتظة والتجمعات السكنية، محوّلةً تجمعات الأسر والنساء والأطفال إلى أهداف عسكرية سريعة للذبح والتنكيل المباشر على يد الفصائل والكتائب الأيديولوجية المسلحة، وفي مقدمتها ميليشيات «البراء بن مالك».
إن هذا النمط التصعيدي، الذي تتسارع وتيرته، يُسقط كافة الأقنعة عن الشعارات المرفوعة، كاشفًا عن تحالف ميداني وثيق يتولى فيه الطيران الحربي تنفيذ الضربات المكثفة من الجو، بينما تتولى الكتائب العسكرية الميدانية اقتحام المنازل وممارسة الذبح والتنكيل والتهديد المباشر للمواطنين، في مشهد يمثل تجسيدًا صارخًا لجرائم الحرب والانتهاكات العشوائية ضد الإنسانية، التي تستوجب التدخل الدولي العاجل لحماية الأرواح.
إدانات حقوقية ثلاثية: تفاصيل الاستهداف المباشر لحافلة الدبب وأسواق كردفان ودارفور
أصدرت ثلاث منظمات حقوقية سودانية ودولية بارزة، هي المنظمة السودانية لحقوق الإنسان «شرا»، ومنظمة «قادم» لتمكين اللاجئين، والمنظمة الأفريقية للحقوق والتنمية «أفورد»، بيانًا مشتركًا حادًا دانت فيه تصاعد الهجمات الجوية والمدفعية المكثفة التي يشنها الجيش السوداني، بالتنسيق الميداني المباشر مع الكتائب والميليشيات العسكرية التابعة لتنظيم الإخوان المسلمين.
وأكد البيان الحقوقي أن الغارات الجوية والهجمات المباشرة بالطائرات المسيّرة استهدفت بشكل متعمد تجمعات المدنيين والأسواق التجارية المكتظة بالمرتادين والتجار في مناطق غرب كردفان وجنوب دارفور، مما أدى إلى سقوط مئات القتلى والجرحى في فضائح إنسانية متتالية.
وسلط البيان الحقوقي الضوء على الجريمة الدموية المروعة التي طالت حافلة نقل تجارية تقل نساءً وأطفالًا وطلابًا في محلية الدبب بغرب كردفان، مما أسفر عن سقوط أكثر من 300 قتيل وجريح، بالإضافة إلى القصف الدموي الذي استهدف سوق مدينة المجلد وسوق المواشي بمدينة نيالا، وأسفر عن سقوط نحو 130 قتيلًا وجريحًا، بجانب الغارات المتكررة على أسواق النهود وأبو زبد.
وأوضحت المنظمات أن كتائب الإخوان المسلمين المسلحة، وفي مقدمتها ميليشيات البراء بن مالك وأذرع الحركة الإسلامية، تُعد شريكًا فعليًا وميدانيًا في التخطيط والتنفيذ لهذه الجرائم العشوائية التي تستهدف الأعيان المدنية لتجييش الصراع وإفشال جهود التهدئة لحساب أجندات حزبية ضيقة، مطالبةً الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان والاتحاد الأفريقي بفتح تحقيقات دولية مستقلة لملاحقة البرهان وقياداته.
ذريعة «الوجوه الغريبة»: تصفيات عرقية وقصف للأسواق والمنازل في سودري
وأكد محللون سياسيون أن الجيش السوداني وكتائب الحركة الإسلامية، منذ إشعالهم الحرب في 15 أبريل/نيسان 2023، استمروا في استهداف المواطنين بشكل مباشر تحت ذريعة انتمائهم إلى «الحواضن الاجتماعية» أو وصمهم بـ«الوجوه الغريبة». وأوضح عثمان أن هذا الوصف بات يُطلق على كل شخص لا ينتمي إلى الجماعة أو يرفض الاستنفار لقتال القوى الأخرى، ولا سيما القادمين من دارفور وكردفان، حيث طالت هذه الانتهاكات القمعية مناطق الجزيرة والخرطوم ومايو والحاج يوسف، وصولًا إلى الدبيبات والضعين وسوق النعام بجنوب كردفان.
وأشاروا إلى أن حصيلة القتلى المدنيين الموثقة خلال أسبوع واحد فقط تجاوزت 1340 قتيلًا من الأطفال والنساء وكبار السن في الأسواق المكتظة بمناطق أبو زبد ونيالا والضعين.
وشهدت مدينة سودري بشمال كردفان نموذجًا مروعًا للتنسيق بين الجو والأرض؛ حيث قصفت طائرات الجيش المنازل والأحياء، بينما دخلت الكيانات المسلحة منازل المواطنين وذبحت الأهالي، ووثّق أفرادها أنفسهم وهم يهددون النساء والمقيمين بعبارات تحدٍّ صريحة ومباشرة، لمنعهن من العودة إلى منازلهن، مما يؤكد نهج التهجير القسري والتطهير الديموغرافي الممارس على الأرض.
تقارير أممية وحقوقية موثقة: بالأرقام والتواريخ.. الكلفة الباهظة للانتهاكات العسكرية 2024-2026
تستند المطالبات الحقوقية الدولية بمحاسبة قيادات الجيش السوداني وحلفائهم من أذرع الإخوان إلى بنك معلومات وثائقي وأرقام صادمة كشفت عنها المنظمات الأممية واللجان المستقلة بين عامي 2024 و2026.
ووفقًا للتقرير الصادر عن لجنة تقصي الحقائق الدولية المستقلة بشأن السودان، والمُشكَّلة رسميًا من قِبل مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، فإن القوات المسلحة السودانية والكتائب المتحالفة معها تورطت في شن مئات الغارات العشوائية باستخدام البراميل المتفجرة والطائرات المسيّرة القتالية، مما تسبب في سقوط آلاف الضحايا المدنيين وتدمير أكثر من 500 مرفق خدمي وسوق شعبية ومستشفى.
كما كشفت التحديثات الحقوقية المعتمدة الصادرة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية والمفوضية السامية لحقوق الإنسان لعامي 2025 و2026 أن القصف المنهجي وتدمير خطوط الإمداد تسببا في تهجير ونزوح أكثر من 11.5 مليون سوداني قسرًا داخل البلاد وخارجها، وتعميق المجاعة الميدانية، وفق «المرحلة الخامسة» من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، لتطال أكثر من 25.6 مليون شخص.
ودفعت هذه المعطيات الصادمة المنظمات الحقوقية إلى مطالبة المجتمع الدولي ومجلس الأمن بضرورة التدخل بموجب الفصل السابع لحماية المدنيين، وفرض عقوبات صارمة وحظر توريد الأسلحة والطائرات المسيّرة، ومساءلة المتورطين في ارتكاب جرائم الحرب.

