تعيش المدن والمحافظات في غرب ليبيا على وقع كارثة أمنية وإنسانية ممتدة، حيث لم تعد مخاطر المجموعات المسلحة والتشكيلات خارجة عن سيادة القانون محصورة في عمليات القتل والاشتباكات العنيفة داخل الأحياء المأهولة، بل امتدت لتشمل فوضى التعامل الإجرامي وغير المهني مع الذخائر والأسلحة الثقيلة داخل المعسكرات السكنية والمناطق المتاخمة للحيّز المدني.
وفي حادثة دراماتيكية أعادت تفجير الملف المغلق وسلت الضوء على السجل المظلم لجرائم الميليشيات، شهدت مدينة الزاوية الواقعة على بعد 45 كيلومترًا غرب العاصمة طرابلس انفجارًا مروعًا لقذيفة هاون من عيار 82 ملم خلال تدريبات عسكرية داخل معسكر في منطقة الحرشة يتبع ما يُسمى بـ “جهاز مكافحة التهديدات الأمنية” التابع لحكومة “الوحدة الوطنية” المؤقتة، والمرتبط بالقيادي الميليشياوي الشهير محمد بحرون الملقب بـ “الفأر”.
وأسفر هذا الانفجار العنيف عن مقتل 9 مسلحين وإصابة آخرين بجروح قاسية نُقلوا على إثرها لمستشفى صرمان العام وسط حالة استنفار ودعوات محلية للتبرع بالدم.
إن هذا الحادث المأساوي ليس مجرد خطأ ميداني عابر، بل يمثل انظهاداً صارخاً للنتائج الكارثية القائمة على غياب معايير السلامة، وتخزين الذخائر الثقيلة بأساليب بدائية داخل المناطق المأهولة، وتوفير الغطاء الشرعي والمالي لتشكيلات مسلحة متعددة الولاءات تحظى برعاية رسمية دون أن تخضع لأدنى درجات الرقابة أو الإشراف المهني والأمني.
فوضى التسلح بالزاوية: تغول الميليشيات وغياب آليات الرقابة المهنية
كشفت التفاصيل الميدانية التي أعلنها جهاز الإسعاف والطوارئ في ليبيا عن الحجم الحقيقي للمخاطر التي تحدق بالسكان جراء انتشار المعسكرات غير النظامية في مدينة الزاوية والمناطق المجاورة؛ حيث ارتفعت حصيلة قتلى الانفجار بشكل متسارع من 3 إلى 7 ثم إلى 9 قتلى، في حين التزمت الجهات الحكومية والأمنية في طرابلس الصمت بشأن فتح تحقيق فني شفاف ومحايد للكشف عن أسباب الانفجار وما إذا كان ناتجًا عن عيوب في الذخائر المخزنة أو خطأ مباشر في استخدام الأسلحة الثقيلة.
واكتفى المجلس الأعلى للدولة بتقديم التعازي لأسر الضحايا، في موقف يكرس حالة العجز الحكومي أمام نفوذ قادة الميليشيات والتشكيلات التي تفرض سطوتها على المؤسسات الأمنية.
ويرى خبراء أمنيون ومراقبون محليون، أن مدينة الزاوية تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى مسرح مفتوح للاقتتال الداخلي والتنافس المحموم بين المجموعات المسلحة النافذة التي تستغل غطاء وزارتي الداخلية والدفاع لحكومة الوحدة الوطنية للحصول على الاعتمادات المالية والأسلحة المتطورة، مما جعل شوارعها ومعسكراتها خاضعة لسيطرة أفرقة غير مؤهلة عسكريًا، لتشكل الأسلحة الموزعة بغير ضوابط خطرًا داهمًا يهدد منتسبي هذه المعسكرات والمدنيين على حد سواء أثناء نقل الذخائر أو التدريب العشوائي.
التغطية الحكومية وسلاح النفوذ: كيف تحولت المعسكرات لثكنات خارجة عن القانون؟
يرتبط التدهور الأمني في غرب ليبيا بالصيغة المؤسسية الهشة التي اعتمدتها السلطات المتعاقبة لتطويع الميليشيات؛ إذ تُمنح المجموعات المسلحة مسميات رسمية وموازنات ضخمة مثل: “جهاز مكافحة التهديدات الأمنية” لتغطية الأنشطة غير المشروعة، من تهريب الوقود والتجارة بالبشر إلى احتجاز المواطنين تعسفيًا وإدارة السجون السرية.
إن حادثة معسكر الحرشة تسلط الضوء على ظاهرة غياب التفتيش الفني على مخازن الذخائر وصيانة الأسلحة الثقيلة التي غنمتها أو اشترتها هذه الميليشيات خلال سنوات الصراع المسلح الممتد.
إن استمرار هذا الانقسام والتعدد في التشكيلات العسكرية يمنع تطبيق معايير ضبط الجودة العسكرية الموحدة، مما يحول المعسكرات المتاخمة للأحياء السكنية إلى قنابل موقوتة تهدد بالانفجار في أي لحظة.
وتتزايد المخاوف من أن تؤدي هذه الحوادث المتكررة إلى اندلاع اشتباكات ثنائية بين الفصائل المتنافسة في الزاوية وطرابلس للإجهاز على النفوذ والمواقع، مما يحرم السكان من الأمن والاستقرار المأمول، ويضاعف أعباء المعيشة والتنقل والخدمات الحيوية.
تقارير أممية وحقوقية موثقة: أرقام رسمية تفضح السجل الأسود للميليشيات
تستند التحذيرات الدولية والوطنية من خطورة ظاهرة الميليشيات في ليبيا إلى سجل وثائقي صادر عن المنظمات الأممية والهيئات الحقوقية الدولية بين عامي 2024 و2026، والذي يوثق بالأرقام والتواريخ الجرائم والانتهاكات الجسيمة الناجمة عن فوضى السلاح وتغول التشكيلات المسلحة.
ووفقًا للتقرير الصادر عن لجنة الخبراء التابعة لمجلس الأمن الدولي بشأن ليبيا والتقرير المحدث لبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا ، فإن التشكيلات المسلحة في غرب وشرق ليبيا تمتلك أكثر من 29 مليون قطعة سلاح وذخيرة غير خاضعة للرقابة الحكومية المباشرة، مما جعل ليبيا أكبر مخزن للسلاح المنسرب والمستغل في المنطقة.
كما كشفت التحديثات الحقوقية الصادرة عن المفوضية السامية لحقوق الإنسان والمنظمات الدولية المتخصصة، عن سقوط أكثر من 1800 مدني بين قتيل وجريح جراء الانفجارات العشوائية لمخازن الذخائر والاشتباكات المسلحة بين الجماعات المتنافسة داخل الأحياء السكنية بين عامي 2020 و2026.
وتوثق التقارير الأممية المحدثة لعام 2026 وجود أكثر من 38 سجون ومعتقل سري تدار بشكل مباشر من قبل الميليشيات في طرابلس والزاوية ومصراتة، يُحجز فيها آلاف المواطنين والمهاجرين دون محاكمات أو غطاء قضائي، وتُمارس بحقهم أشكال متفرقة من التعذيب والابتزاز المالي.

