ذات صلة

جمع

مفوضية الانتخابات في ليبيا.. هل تحسم رئاسة البرلمان المقبلة الملفات العالقة؟

يدخل المشهد السياسي والتشريعي في ليبيا مرحلة جديدة للغاية...

التخريب الممنهج.. كيف تضع اعتداءات الميليشيات البنية التحتية السورية في مهب الانهيار؟

تشهد الساحة السورية تحولات ميدانية وأمنية بالغة الخطورة، حيث...

من الانقسام المؤسسي إلى الكارثة الإنسانية.. لماذا تتصاعد الضغوط على سلطة البرهان؟

تتفاقم العزلة الدولية والدبلوماسية التي تواجهها السلطة القائمة في...

ترامب يحاول إقناع غوغل بإطلاق اسمه على أحد المحيطات.. والشركة ترفض

كشف الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن محاولة جديدة لإطلاق...

مسؤول روسي: عدد المقاتلين الأجانب في أوكرانيا يقترب من 30 ألفًا

أثار تقدير روسي جديد بشأن أعداد المقاتلين الأجانب الذين...

التخريب الممنهج.. كيف تضع اعتداءات الميليشيات البنية التحتية السورية في مهب الانهيار؟

تشهد الساحة السورية تحولات ميدانية وأمنية بالغة الخطورة، حيث لم تعد الاعتداءات التي تشنها الفصائل والميليشيات المسلحة تقتصر على الاشتباكات العسكرية المباشرة، بل امتدت لتستهدف الشرايين الحيوية والبنى التحتية التي تعتمد عليها ملايين الأسر في تلبية احتياجاتها الأساسية.

وفي تطور دراماتيكي أخير، تعرض خط تصدير غاز الجبسة الحيوي بريف الحسكة الجنوبي لعملية تفجير إرهابية واستهداف مباشر أدى إلى اشتعال النيران فورًا، وهو حادث يتزامن مع سلسلة اعتداءات تخريبية استهدفت خطوط نقل المشتقات النفطية الممتدة بين بانياس وحمص.

هذه الهجمات لا تصنف فقط كإضرار اقتصادي، بل تمثل جرائم ممنهجة تُعمق أزمات البلاد الشاملة، وتستكمل حلقة التضييق الميداني والخدمي على المواطنين، وسط تحذيرات حقوقية وأممية موثقة بالتقارير والأرقام من خطورة استمرار إفلات مرتكبي هذه الاعتداءات من العقاب.

تفجير خط غاز الجبسة بريف الحسكة: تفاصيل الاعتداء الميداني وإجراءات الاحتواء

وشهد ريف الحسكة الجنوبي حادثة استهداف خطيرة تمثلت في تفجير خط تصدير غاز الجبسة، وأوضح مدير المكتب الإعلامي في الشركة السورية للبترول عدي الصطوف، في تصريح موثق لوسائل الإعلام الرسمية، أن الاستهداف جرى بدقة في منطقة العربيدي التي تبعد نحو 60 كيلومترًا عن مدينة الشدادي.

وتسبب الاعتداء في اندلاع حريق هائل بالخط الممتد، مما اضطر فرق الطوارئ والجهات المختصة لعزل المنطقة المتضررة بشكل كامل، وإغلاق الصمامات المقطعية الواقعة قبل وبعد موقع التفجير لوقف تدفق الغاز وتفادي كارثة بيئية وأمنية أكبر.

وقامت الفرق الفنية وأجهزة الدفاع المدني والسلامة بإجراءات عاجلة لتأمين المنطقة المحيطة بالموقع وإخماد ألسنة النيران لتشخيص حجم الأضرار البنيوية والبدء بعمليات الإصلاح.

يأتي هذا التفجير ليُبرز الإصرار الميداني للميليشيات والجماعات غير الشرعية على ضرب الموارد الأساسية، وتسهيل عملية تعطل محطات توليد الكهرباء والأنشطة الصناعية في المناطق التي تتغذى من معمل غاز الجبسة، مما ينعكس سلبًا ومباشرة على قدرة المواطنين في الحصول على التدفئة والخدمات الكهربائية الأساسية.

اعتداءات بانياس وحمص: استراتيجية خنق الطرق والقطع الخدمي

لم تكن حادثة الجبسة منفصلة عن استراتيجية التخريب المتواصلة التي تنفذها الميليشيات؛ إذ سبقها بأيام عمل تخريبي استهدف خط نقل المشتقات النفطية الممتد من بانياس إلى حمص، وتحديدًا في منطقة حديدة.

وتعمّد المعتدون إحداث ثقب عريض بالأنبوب النفطي الرئيسي، مما أدى إلى تسرب كميات ضخمة من المادة النفطية على الأراضي المجاورة، وتسبب ذلك في انقطاع الحركة المرورية وقطع أوتوستراد حمص – طرطوس الحيوي بالاتجاهين.

وأجبر هذا الخلل الميداني الجهات المعنية على تحويل حركة السير نحو مسارات بديلة، بينما باشرت فرق الصيانة التابعة للشركة السورية للبترول بالتعاون مع الدفاع المدني عمليات عاجلة لإغلاق الصمامات والحد من انتشار التسرب النفطي الخطير والمباشرة في صيانة الجزء المتضرر.

إن الاستهداف المتكرر لخطوط النفط بين المحافظات الساحلية والوسطى والشمالية يعكس مساعي الميليشيات لإحداث فلل في نقل المشتقات النفطية، وتعميق أزمة الوقود التي تضرب القطاعات الخدمية والمستشفيات وشبكات النقل العام.

الأرقام والتقارير الأممية: توثيق حقوقي لجرائم الميليشيات والخسائر المدنية

وتتقاطع هذه الأحداث التخريبية على الأرض مع بيانات وتقارير رسمية أصدرتها منظمة الأمم المتحدة والمراكز الحقوقية المعنية بالشأن السوري.

فوفقًا للبيانات الموثقة الصادرة عن “المرصد السوري لحقوق الإنسان” لعام 2026، وثقت المؤسسات الميدانية مقتل أكثر من 2240 شخصًا في أنحاء سوريا نتيجة عمليات القصف والتفجيرات واعتداءات الفصائل المسلحة منذ بداية العام الجاري وحتى سبتمبر 2026.

كما أكدت التقرير الأممية الحقوقية الصادرة في النصف الثاني من عام 2026، أن ما يزيد على 180 طفلاً قضوا جراء أعمال العنف واستهداف المناطق الآهلة والمرافق الخدمية خلال النصف الأول فقط من العام ذاته.

من جانبها، أشارت الشبكة السورية لحقوق الإنسان في بياناتها المعتمدة لدى وكالة الاتحاد الأوروبي لجوء في يوليو 2026 إلى تسديد 586 حالة وفاة بين المدنيين جراء النزاعات المسلحة واعتداءات الفصائل في الفترة الممتدة من أكتوبر 2025 وحتى مايو 2026.

وأوضحت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا التابعة للأمم المتحدة في تقاريرها الدورية صراحةً أن استهداف البنى التحتية الحيوية وموارد الطاقة من قبل الجماعات المسلحة يرقى في كثير من الحالات إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، حيث يتعمد المعتدون حرمان السكان المدنيين من المواد الأساسية للبقاء، مما يفاقم من معدلات الفقر المدقع التي تجاوزت 90% بين أوساط الشعب السوري.

تداعيات الحصار الخدمي واستهداف الشبكات على المعيشة اليومية

إن الأثر المباشر لتخريب منشآت الطاقة يلقي بثقله على الشارع السوري الذي يواجه واحدة من أعتى الأزمات الإنسانية والمالية في تاريخه الحديث؛ فاقتطاع خطوط الغاز والنفط يؤدي إلى تقليص ساعات تزويد التيار الكهربائي للمنازل إلى مستويات حرجة، فضلاً عن توقف مضخات المياه الصالحة للشرب والأجهزة الطبية بالمستشفيات العامة.

وتؤكد المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، أن سوريا باتت تضم أكثر من 16.7 مليون شخص بحاجة ماسة إلى المساعدات الإنسانية العاجلة خلال عام 2026، وأن تدمير الميليشيات لمرفق الغاز والنفط يرفع تكاليف الاستجابة الطارئة ويحرم الخزينة العامة من الموارد اللازمة لإصلاح القطاعات المشلولة.

علاوة على ذلك، تُسهم هذه الاستهدافات في تعميق التضخم الاقتصادي وارتفاع أسعار الوقود في الأسواق السوداء نتيجة انقطاع الإمدادات الحكومية، مما ينعكس بزيادة طردية على أسعار المواد الغذائية والسلع التموينية الأساسية.

وتستغل الفصائل المسلحة هذه الاختناقات لفرض شبكات تهريب غير شرعية للنفط والغاز وفرض إتاوات عالية على صهاريج النقل والمواطنين، مما يحول موارد الطاقة الوطنية إلى أداة لتمويل أنشطتها العسكرية وإدامة الفوضى الأمنية.

إن حماية منشآت النفط والغاز في الحسكة وحمص وبانياس وتأمين فرق الصيانة والتشغيل لم تعد مجرد مهمة تقنية أو إدارية، بل هي صمام الأمان الأخير لمنع سقوط البلاد في إظلام تام وشلل اقتصادي كامل.

ولن تتمكن سوريا من تجاوز أزماتها المعقدة أو البدء بجهود التعافي والتعمير دون كبح جماح الجماعات المسلحة، وتوفير حماية حقيقية للثروات القومية، وإلزام كافة الأطراف بالقانون الدولي الإنساني الذي يحظر قطعًا المساس بالمنشآت الحيوية المخصصة لخدمة السكان المدنيين.