لم يعد التصعيد العسكري في اليمن محصورًا في خطوط المواجهة التقليدية، بعدما انتقلت الهجمات الحوثية إلى قلب عدن، مستهدفة مطارها الدولي ثم مجمع المعاشيق الرئاسي خلال ثمانية أيام.

ويأتي هذا التحول بالتزامن مع اتساع المعارك في تعز ولحج والساحل الغربي، وتصاعد الهجمات على منشآت ومطارات داخل السعودية، بما يضع مراكز القرار الحكومي والقوات المدعومة من الرياض في دائرة الضغط المباشر.
ويشير هذا التطور إلى اتساع نطاق المواجهة من الجبهات الميدانية إلى المواقع السياسية والعسكرية التي تعتمد عليها الحكومة اليمنية، في وقت تتزايد فيه أهمية المناطق القريبة من باب المندب، وتتداخل فيها الحسابات المحلية مع الدور السعودي في الحرب.
المعاشيق تحت القصف
وقد أعلنت الحكومة اليمنية مقتل خمسة أشخاص وإصابة 16 آخرين، بينهم حراس وموظفون مدنيون، جراء استهداف مجمع المعاشيق في عدن بخمسة صواريخ، ونجا رئيس الوزراء شائع الزنداني وعدد من أعضاء الحكومة الذين كانوا داخل المجمع.
وبحسب المعلومات التي أوردها مسؤول يمني، أصابت ثلاثة صواريخ مقرا لقوات “درع الوطن” المدعومة من السعودية، بينما استهدف صاروخان مقرا عسكريا آخر داخل المجمع. ولم يتسن التحقق بصورة مستقلة من جميع التفاصيل المتعلقة بالأهداف التي أصابتها الصواريخ.
في المقابل، أعلن الحوثيون أن الهجوم استهدف ما وصفوه بمقر العمليات العسكرية السعودية في عدن، وقال متحدثهم العسكري يحيى سريع إن المواقع المرتبطة بالوجود العسكري السعودي تقع ضمن أهداف الجماعة.
ويمنح استهداف المعاشيق الهجوم أبعادًا تتجاوز الضربة العسكرية المباشرة، بالنظر إلى أن المجمع يضم مقار حكومية وأمنية وعسكرية، ويشكل أحد مراكز إدارة السلطة المعترف بها دوليًا في المدينة.
من المطار إلى مقر الحكومة

سبق قصف المعاشيق استهداف مطار عدن الدولي في السابع من أكتوبر، بصواريخ باليستية وطائرات مسيرة مفخخة. وقالت وزارة النقل اليمنية إن أحد الصواريخ سقط قرب المدرج قبل دقائق من هبوط رحلة قادمة من القاهرة.
وتكتسب هذه الواقعة أهمية خاصة، لأن المطار يمثل المنفذ الجوي الدولي الرئيسي للمناطق الخاضعة للحكومة اليمنية. كما أن استهدافه يثير مخاوف بشأن سلامة حركة الطيران المدني، ويزيد الضغوط على المؤسسات التي تعتمد عليها الحكومة في إدارة المناطق الواقعة خارج سيطرة الحوثيين.
وبين الهجومين، انتقل الاستهداف من منشأة مدنية استراتيجية إلى مجمع يضم قيادات حكومية وعسكرية، في توقيت تتصاعد فيه المواجهات على الساحل الغربي وفي محيط تعز ولحج.
تعز وباب المندب يغيران الحسابات
يتزامن التصعيد في عدن مع اشتداد المعارك في المناطق القريبة من باب المندب، حيث تمثل المخا وذباب والمناطق المحيطة بهما نقاطا مهمة في الصراع على الساحل الغربي.
كما امتدت المواجهات إلى المرتفعات الواقعة غرب وجنوب تعز، ووصلت إلى مناطق في لحج، بينما استمرت الهجمات الحوثية على جبهات مأرب. وتقول الحكومة اليمنية إن قواتها، بما فيها تشكيلات “درع الوطن” و”العمالقة”، تخوض مواجهات لاستعادة مناطق خسرتها خلال موجة القتال الأخيرة.
وفي هذا السياق، تصبح عدن أكثر ارتباطًا بالتطورات الميدانية، ليس فقط باعتبارها العاصمة المؤقتة ومقرًا للحكومة، بل أيضا بوصفها قاعدة خلفية للقوات الحكومية ومركزًا لوجستيًا وسياسيًا للعمليات المدعومة من السعودية.
وقال رئيس الوزراء اليمني السابق معين عبدالملك إن خسارة تعز قد تفتح الطريق باتجاه باب المندب وعدن، محذرًا من محاولات للتقدم نحو مناطق جنوبية، بينها لحج. وتعكس هذه المخاوف أهمية السيطرة على الممرات والطرق التي تربط جبهات القتال بالمراكز السكانية والعسكرية.
الضغط على السعودية جزء من المواجهة
لا ينفصل استهداف عدن عن موجة الهجمات التي أعلن الحوثيون تنفيذها ضد مطارات ومنشآت داخل السعودية. فالجماعة تربط خطابها العسكري بالدور السعودي في دعم القوات الحكومية، وتتعامل مع المواقع المرتبطة بهذا الدور باعتبارها أهدافًا مباشرة.
وتهدف هذه الاستراتيجية، وفق قراءة لتزامن الهجمات واتساع نطاقها، إلى زيادة الضغوط العسكرية والسياسية على الرياض، ورفع كلفة استمرار دعم العمليات الحكومية. غير أن تحديد الدوافع النهائية للهجمات يظل مرتبطا بمواقف الأطراف وتطورات الميدان، ولا يمكن حسمه من توقيت الضربات وحده.
في المقابل، تتهم السعودية إيران بدعم الحوثيين عسكريا، بينما تنفي الجماعة أن تكون هجماتها تنفذ بطلب إيراني، وتطرح مطالب تتعلق بوقف العمليات العسكرية ورفع القيود عن الموانئ والمطارات ودفع رواتب موظفي الدولة.
يتزامن التصعيد مع استمرار القتال في تعز ومأرب والساحل الغربي، وسط تحذيرات من تدهور الأوضاع الإنسانية وتعطل وصول المساعدات إلى السكان المتضررين.
وتشير تقديرات أممية نقلتها تقارير عن التطورات الأخيرة إلى أن القتال ألحق أضرارا بوصول مئات الآلاف إلى المساعدات، فيما تسببت موجة المواجهات في نزوح أعداد كبيرة من المدنيين.

