تتواصل الأزمات السياسية والأمنية والهيكلية في ليبيا لتضع البلاد أمام منعرج حاسم، وسط استمرار حالة الانقسام المؤسسي والانسداد السياسي الذي يعطل تطلعات الليبيين نحو الاستقرار.
وفي خضم هذه التحركات الدبلوماسية، تكثف البعثة الأممية في ليبيا اتصالاتها مع الأطراف المعنية لدفع العملية السياسية المتجمدة وتوحيد المؤسسة العسكرية، قبل الإحاطة المرتقبة أمام مجلس الأمن الدولي.
ورغم المساعي الدولية والإقليمية للتقريب بين القيادات الأمنية والسياسية، فإن الواقع الميداني ما يزال خاضعًا لتأثير الجماعات المسلحة والميليشيات المنفلتة التي تمارس انتهاكات واسعة بحق المدنيين، مما يعطل إجراء الانتخابات الوطنية ويستنزف ثروات البلاد في ظل غياب سيادة القانون والعدالة الانتقالية.
التحركات الأممية لتوحيد المؤسسة العسكرية ودعم المسار السياسي
وتكثف البعثة الأممية للدعم في ليبيا تحركاتها الميدانية بين القوى السياسية والعسكرية للتقريب بين وجهات النظر المشتركة، وذلك قبيل تقديم المبعوثة الأممية هانا تيتيه إحاطتها الدورية الشاملة أمام مجلس الأمن الدولي.
وشهدت العاصمة طرابلس لقاءات مكثفة جمعت ستيفاني خوري، نائبة الممثلة الخاصة للأمين العام للشؤون السياسية، مع الفريق عبد السلام الزوبي وكيل وزارة الدفاع بحكومة الوحدة الوطنية المؤقتة، لمناقشة التطورات المتصلة بالعملية السياسية ومخرجات اتفاق لجنة (4+4) المبرم في أغسطس الماضي.
وركزت المباحثات الأممية على ضرورة بناء الثقة بين الفرقاء لمعالجة الإصلاحات الجوهرية، وتهيئة المناخ الأمني لإجراء الانتخابات وتوحيد المؤسسات، في وقت تشارك فيه أطراف عسكرية من شرق البلاد وغربها، مثل الفريقين خالد حفتر وصلاح النمروش، في اجتماعات فنية جرت بمدينة سرت لتعزيز التعاون والدعم الفني.
التعقيدات السياسية ورفض مخرجات اتفاق لجنة (4+4)
ورغم الجهود الدبلوماسية المتواصلة، تواجه الخريطة السياسية عقبات جادّة ومواقف متباينة تعيق إنجاز الاستحقاق الانتخابي. فقد أعلن المجلس الأعلى للدولة في طرابلس تمسكه الصارم برفض مخرجات اتفاق لجنة (4+4) وبعض القوانين الانتخابية الصادرة عن مجلس النواب، مما ألقى بظلال من الشك حول إمكانية الالتزام بالمهلة الزمنية المحددة بـ 24 شهرًا لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية.
ويتضمن الاتفاق المشار إليه تعديلات في شروط الترشح تنص على السماح للعسكريين بالمشاركة وإلزام مزدوجي الجنسية بالتخلي عن جنسيتهم الأجنبية حال الفوز، وهو ما فجّر خلافات حادة بين الأجسام السياسية الرئيسية.
وتأتي هذه التعقيدات في وقت تسعى فيه الدبلوماسية الدولية والمبادرات الإقليمية، بما فيها اللقاءات العسكرية الأخيرة في المغرب، لإيجاد صيغة توافقية تضمن إنهاء الانقسام الحكومي والمؤسسي.
جرائم الميليشيات والانتهاكات الحقوقية في التقارير الأممية
وتلقي هيمنة الميليشيات والجماعات المسلحة بظلالها القاتمة على المشهد الإنساني والحقوقي في مختلف المناطق الليبية. وتوثق التقارير الحديثة الصادرة عن مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان لعام 2026 استمرار ارتكاب جرائم جسيمة تتنوع بين الاحتجاز التعسفي، والإخفاء القسري، والتعذيب الممنهج داخل السجون والمعتقلات السرية التي تديرها تشكيلات مسلحة خارج إطار القضاء.
كما كشفت تقارير البعثة الأممية لتقصي الحقائق عن تورط الميليشيات في تنفيذ عمليات اغتيال وتصفية جسدية تستهدف الناشطين السياسيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، إلى جانب ممارسة التضييق على حرية التعبير وإغلاق المؤسسات المدنية، مما يرسخ بيئة قائمة على الخوف والإفلات التام من العقاب.
التبعات الاقتصادية لسيطرة الجماعات المسلحة على المقدرات
ولا تقتصر آثار الأزمة الليبية على الجانب الأمني والسياسي فحسب، بل تمتد لتضرب عمق البنية الاقتصادية للبلاد.
وتكشف التقارير الاقتصادية الصادرة عن البنك الدولي والأمم المتحدة عن نزيف مالي حاد وتدهور في القوة الشرائية للمواطنين جراء سيطرة الميليشيات على المنافذ الحدودية والمرافئ الحيوية وفرض الإتاوات على الأنشطة التجارية.
وتتسبب هذه الممارسات غير القانونية في هدر ملايين الدولارات من الإيرادات العامة وتغذية شبكات التهريب لغسل الأموال والمتاجرة بالبشر، مما يرفع معدلات التضخم ويؤدي إلى ندرة السلع الأساسية وانهيار الخدمات التعليمية والصحية في معظم البلديات، ليبقى المواطن البسيط الضحية الأولى لهذا الصراع الممتد.
معاناة النازحين والأزمة الإنسانية الشاملة في ليبيا
تسجل التقارير الصادرة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أرقامًا صدمية تعكس عمق الكارثة الإنسانية في البلاد، حيث يحتاج مئات الآلاف من النازحين والمدنيين إلى مساعدات إغاثية وغذائية عاجلة.
وتؤكد البيانات الحقوقية الصادرة عن المنظمات الدولية، أن استمرار الصراع المسلح بين الفصائل وتدهور البنية التحتية أطاحا بحقوق الفئات الأكثر هشافة، وفي مقدمتهم الأطفال والنساء والمهاجرون.
وتشدد التقارير على أن غياب سلطة موحدة تكفل حماية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية يضاعف من انتشار الفقر والبطالة، مما يحول دون تحقيق أي استقرار مجتمعي أو عودة آمنة للنازحين إلى ديارهم التي دمرتها المواجهات العسكرية المتكررة.
ظاهرة الإفلات من العقاب وغياب السلطة القضائية المستقلة
ويجمع الحقوقيون والمراقبون على أن العقبة الكبرى أمام حماية حقوق الإنسان في ليبيا تكمن في استمرار سياسة الإفلات من العقاب وسطوة السلاح على المؤسسات القضائية.
وتوضح تقارير منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش لعام 2026، أن السلطات القضائية والادعاء العام يواجهون تهديدات مباشرة وممارسات ترهيب من قبل عناصر الميليشيات عند محاولة فتح تحقيقات في جرائم الفساد أو الانتهاكات الميدانية.
هذا الوضع أدى إلى تعطيل آليات العدالة الانتقالية وإنصاف الضحايا، ما دفع الهيئات الدولية للنداء بضرورة تفعيل دور المحكمة الجنائية الدولية وآليات الرقابة المستقلة لملاحقة المتورطين في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية المرتكبة على الأراضي الليبية.

