تتزايد مخاوف الشارع العراقي والدائرات الاقتصادية والحقوقية من تداعي الأوضاع المعيشية والمالية في البلاد، في وقت تتشابك فيه القرارات النقدية المصرفية مع ضغوط السلاح المنفلت وهيمنة الميليشيات المسلحة على مفاصل الاقتصاد الوطني.
ورغم المساعي التي تعلنها الجهات التنفيذية والبنك المركزي لتنظيم السياسة النقدية وسعر الصرف وحماية مقدرات المواطنين، فإن الواقع الميداني والتقارير الدولية الصادرة عن الهيئات الأممية والحقوقية الموثقة تسلط الضوء على استنزاف هيكلي واسع النطاق تُحدثه الجماعات المسلحة الخارجة عن إطار القانون.
وتضع هذه التحديات المزدوجة العاصمة بغداد أمام اختبار حقيقي لإثبات قدرتها على فرض سيادة القانون، وتأمين منافذ الاقتصاد، وحماية القوة الشرائية للملايين الذين يواجهون تبعات ارتفاع التضخم وتراجع الخدمات الأساسية.
التعديلات النقدية الجديدة للبنك المركزي العراقي وسقف البطاقات
وأصدر البنك المركزي العراقي توجيهات جديدة وكتابًا رسميًا لكافة المؤسسات المالية والمصارف بضرورة اعتماد سقف تعامل شهري للبطاقات مسبقة الدفع، مع وضع حد أقصى للتعامل اليومي عند الشراء والتسوق عبر نقاط البيع الإلكترونية خارج الحدود.
وفي بيان نقلته وكالة الأنباء العراقية الرسمية، أوضح البنك أن هذا القرار يستهدف عمليات الشراء عبر نقاط البيع المباشرة التي يُشترط فيها حضور البطاقة فعليًا لدى التاجر خارج البلاد.
وبموجب التعديل الجديد، جرى إلغاء الحد اليومي السابق البالغ 333.3 دولار، ليتيح لحامل البطاقة التسوق خارج العراق بمبلغ يصل إلى ما يعادل 3333 دولارًا أو 5 ملايين دينار عراقي يوميًا، بشرط ألا يتجاوز إجمالي التعاملات المالية خلال الشهر الكامل سقف 5 ملايين دينار، وذلك للحد من عمليات التلاعب وسحب السيولة الأجنبية بطرق غير مشروعة.
حقيقة التحويلات المالية الخارجية وأزمة تغير سعر الصرف
وفي سياق متصل بتنظيم سوق الصرف، نفى البنك المركزي العراقي صحة الأنباء التي جرى تداولها عبر المنصات الرقمية ووسائل الإعلام بشأن إعادة مبالغ ضخمة بقيمة 600 مليار دينار نتيجة عدم اعتماد سعر الصرف القديم والمطالبة بتعزيزها وفق السعر الحالي.
وأكد البيان الرسمي حسم هذا الجدل المثار وتنفيذ كافة طلبات التحويل الخارجي المقدمة إلى المصارف والمؤسسات المعنية قبل تاريخ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2026 وفق سعر الصرف السائد وقتها وبدون تحميل التجار أو المواطنين أية تكاليف إضافية.
وشدد البنك على المباشرة الفعلية في تسلم هذه الطلبات وتنفيذها رسميًا، مؤكدًا أن بطاقات الدفع الإلكتروني تواصل عملها وفق السعر الرسمي المعتمد لتلبية الاحتياجات المعيشية والخدمية للمواطنين العراقيين المتواجدين في الخارج وضمان عدم انقطاع تعاملاتهم المالية.
الانتهاكات الجسيمة للميليشيات المسلحة وتأثيرها على الاقتصاد
وتلقي هيمنة الجماعات والفصائل المسلحة بظلالها الثقيلة على المشهد الاقتصادي والأمني في العراق، حيث تشير التقارير الصادرة عن المنظمات الحقوقية والأممية إلى استمرار الميليشيات في ممارسة عمليات الابتزاز المالي وفرض الإتاوات على التجار وأصحاب المحال التجارية ومشاريع القطاع الخاص.
وتؤكد البيانات الحقوقية الموثقة، أن سيطرة الفصائل المسلحة على بعض المنافذ الحدودية والمعابر البرية تتسبب في هدر مليارات الدولارات سنويًا من الإيرادات الجمركية المستحقة لخزينة الدولة العراقي.
بالإضافة إلى ذلك، تستغل هذه الجماعات ثغرات النظام المصرفي والشركات الواجهة لتنفيذ عمليات تهريب العملة الأجنبية والمضاربة في السوق السوداء، مما يعرقل جهود الإصلاح المالي ويؤدي مباشرة إلى إضعاف قيمة الدينار العراقي وتراجع القوة الشرائية للأسر المتوسطة والفقيرة.
جرائم الميليشيات في تقارير الأمم المتحدة واللجان الحقوقية
تستند التحليلات الخاصة بالملف الأمني العراقي إلى أرقام ووقائع حديثة وثقتها تقارير بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق الصادرة في عام 2026، والتي أظهرت تصاعدًا ملحوظًا في معدلات الجرائم والانتهاكات المرتكبة من قبل تشكيلات مسلحة تعمل خارج إطار الدولة.
وأوضحت التقارير الأممية، أن تلك الجماعات تورطت في تنفيذ مئات حالات الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري بحق الناشطين والمدافعين عن حقوق الإنسان والمدنيين المعارضين لنفوذها.
كما أشار تقرير المفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة إلى وجود شبكات سريعة ومراكز احتجاز غير قانونية تديرها تلك الميليشيات، حيث يتم ممارسة التعذيب والتضييق على الحريات العامة، مما يخلق حالة من الخوف الشديد ويهدد السلم الأهلي والاستقرار المجتمعي في العديد من المحافظات.
تقارير البنك الدولي وتراجع المؤشرات الاقتصادية في العراق
تُكمل الأرقام الصادرة عن المؤسسات المالية الدولية الصورة المعتمة للأزمة، حيث حذرت تقارير البنك الدولي الأخيرة المتعلقة بالعراق من مخاطر استمرار الاعتماد المفرط على الريع النفطي الذي يشكل أكثر من 90% من الموازنة العامة للبلاد.
وتفيد البيانات الاقتصادية بأن الأزمات الهيكلية المتراكمة وتفشي الفساد الإداري وتأثير الجماعات المسلحة على القرارات الاستثمارية أدت جميعها إلى ارتفاع معدلات الفقر لتتجاوز 25% بين السكان، مع وصول نسبة البطالة وسط الشباب إلى مستويات قياسية تتعدى 35%.
وتؤكد هذه التقارير أن غياب البيئة الآمنة للاستثمار الأجنبي وتدهور البنية التحتية من كهرباء وماء وصحة يعوقان أية محاولات جادة للتنمية وتنويع مصادر الدخل القومي بعيدًا عن تقلبات أسعار النفط العالمية.
حصر السلاح بيد الدولة كمطلب أساسي لإنقاذ البلاد
ويجمع مراقبون سياسيون واقتصاديون على أن حل الأزمات الاقتصادية في العراق لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن إنهاء ملف السلاح المنفلت وتفكيك هيمنة الفصائل والميليشيات المسلحة على مقدرات الدولة.
وتتزايد المطالبات الشعبية والنيابية بضرورة إخضاع جميع التشكيلات العسكرية للقيادة العامة للقوات المسلحة، وتطبيق آليات صارمة لفك ارتباطها بأية أجندات خارجية أو كيانات موازية، وإن إعادة ثقة المجتمع الدولي والشركات الاستثمارية في السوق العراقي تتطلب خطة أمنية حازمة تستعيد من خلالها السلطات التنفيذية السيطرة الكاملة على المعابر الحدودية والمرافئ الحيوية، وتضمن حماية أموال التجار والمستثمرين من عمليات الابتزاز وفرض السيطرة غير القانونية.

