يقف العراق اليوم أمام مفترق طرق خطير يُهدد استقراره المالي والسياسي، في وقت تتصاعد فيه الضغوط الاقتصادية الناجمة عن تراجع الإيرادات النفطية وتراكم الديون السيادية، وسط استمرار نفوذ الفصائل والميليشيات المسلحة التي تحاول ترسيخ وجودها داخل مفاصل الدولة الرسمية.
ففي الوقت الذي ينتظر فيه الشارع العراقي خططًا حاسمة للإصلاح الإداري وترشيد الإنفاق، تتجه القوى السياسية النافذة نحو توسيع الكعكة الحكومية عبر استحداث وزارات جديدة وزيادة مناصب نواب رئيس الوزراء ضمن التشكيلة الحكومية المرتقبة برئاسة علي الزيدي.
إن هذا التناقض الصارخ بين الواقع الاقتصادي المتردي والتمدد الإداري القائم على صفقات المحاصصة الحزبية يعكس عمق الأزمة التي تعيشها بغداد، حيث أصبحت المناصب التنفيذية أداة لإرضاء القوى المسلحة والأحزاب على حساب قوت المواطن العادي ومستقبل موازنة البلاد الاتحادية لعام 2027.
أزمة الاقتصاد المتردي: 92% ارتهان للنفط وتضخم متصاعد للديون
تأتي هذه التحركات لتوسيع الجهاز الحكومي في وقت يعاني فيه الاقتصاد العراقي من اختلالات بنيوية قاتلة؛ إذ يشير الباحثون، إلى أن الموازنة العامة تعتمد بنسبة تزيد على 92% على الإيرادات النفطية، مما يطرح علامات استفهام كبرى حول قدرة الدولة على تحمل نفقات تشغيلية وإدارية جديدة.
وأوضحوا أن تراجع كميات النفط المصدرة والخصومات السعرية الممنوحة على بعض الشحنات قد انعكسا مباشرة على قدرة الخزينة العامة في الوفاء بالتزاماتها، بالتزامن مع ارتفاع الدين الحكومي وتراكم المستحقات الشاقة، الأمر الذي يجعل الحديث عن زيادة عدد الوزراء ونواب رئيس الوزراء ضربًا من التهور المالي الذي يهدد استقرار الدينار العراقي والقدرة الشرائية للمواطنين.
ويرى خبراء الاقتصاد، أن لجوء الحكومة السابقة إلى تعديل سعر صرف العملة المحلية لتوفير سيولة وقتية لم يعالج جذور الأزمة، بل فرض تكاليف معيشية باهظة على الطبقات الفقيرة والمتوسطة.
وتحذر التحليلات المالية من أن التوسع في النفقات الإدارية لتغطية رواتب ومخصصات وحمايات المناصب المستحدثة سيزيد من عجز الموازنة المرتقبة لعام 2027، بدلاً من توجيه تلك الموارد نحو تنشيط القطاع الخاص، وإعادة تشغيل المصانع الوطنية المتوقفة، وتوفير التسهيلات الائتمانية لدعم الإنتاج الزراعي والصناعي المحلي.
الجدوى الغائبة للوزارات المستحدثة: الذكاء الاصطناعي كعنوان للتمدد الإداري
ويثير مقترح إنشاء وزارة جديدة للذكاء الاصطناعي انتقادات واسعة من قبل المحللين والمختصين؛ حيث يرى الباحثون أن تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي يستدعي وجود بنية تحتية تشريعية وتقنية متكاملة وقواعد بيانات موحدة، وليس مجرد لافتة وزارية جديدة تُضاف إلى الجهاز الإداري المتضخم.
وأكدوا أن التجارب الإقليمية والدولية المتقدمة اعتمدت على إقامة هيئات تقنية مرنة وشراكات مع الشركات العالمية الفاعلة بدلاً من تأسيس هياكل وزارية مكلفة، محذرين من أن تتحول هذه الوزارة إلى منفذ جديد لتوزيع المناصب والامتيازات المالية بدون تحقيق أي قيمة مضافة للخدمات الحكومية.
وكشفت مصادر، أن الإصلاح الإداري الحقيقي يفرض توحيد الاختصاصات وتقليص التضخم المؤسسي، مشيرة إلى أن ملفات مثل الذكاء الاصطناعي والسياحة والمكونات يمكن إدارتها بكفاءة عالية ضمن أطر وزارية وهيئات قائمة مثل وزارة الاتصالات والمؤسسات الدستورية المعنية بالمكونات، دون الحاجة لتحميل الموازنة كلف إنشاء وزارات جديدة بملاكات ومبانٍ ومخصصات مستقلة.
وشبّه التميمي التوسع القائم بكونه تعميقًا للفجوة الخطيرة بين الخطاب الإصلاحي المعلن والممارسة السياسية القائمة على المحاصصة.
إن استمرار القوى السياسية في تغليب منطق التفاهمات الحزبية وتلبية مطالب الفصائل والميليشيات على حساب المصلحة الوطنية العليا يُنذر بتعميق أزمات العراق الاقتصادية والأمنية، وإن حماية مستقبل البلاد تتطلب وقفة جادة تتجاوز استرضاء الكتل، وتعتمد معايير الكفاءة والحوكمة وترشيد الإنفاق، بما يضمن صون موارد الدولة ومنع تحول المؤسسات التنفيذية إلى ساحات خلفية لإعادة إنتاج المحاصصة والفساد المؤسسي.
ويمر العراق بمفصل سياسي واقتصادي حرج، حيث تتزامن التحضيرات النهائية لتشكيل حكومة علي الزيدي مع التمهيد لموازنة 2027.
وفي وقت يُفترض فيه ترشيد الإنفاق لمواجهة انخفاض العوائد النفطية التي تغطي 92% من الموازنة، تتجه القوى السياسية والفصائل المسلحة لفرض صفقات المحاصصة واستحداث مناصب ووزارات جديدة، مما يفتح مواجهة محتدمة بين متطلبات الإصلاح المالي وطموحات النفوذ السياسي.