تستمر الأزمة السورية في التفاقم على نحو غير مسبوق، مع تداخل الأزمات المعيشية والاقتصادية الحادة مع المشهد الأمني المعقد الناجم عن ممارسات وانتهكات الميليشيات المسلحة والجماعات المسلحة المنتشرة في مختلف المناطق.
وفي وقت يعاني فيه المواطن السوري من تراجع القوة الشرائية وارتفاع معدلات التضخم والإتاوات، تشهد الساحة الاقتصادية حالة من الارتباك والجدل بشأن القرارات التنظيمية والرسوم المفروضة على الأنشطة التجارية والخدمية.
وتتزايد المخاوف من أن تؤدي هذه الضغوط المالية مترافقة مع غياب الاستقرار الأمني إلى تقويض فرص التعافي الاقتصادي وزيادة معانات الفئات الضعيفة، وسط مطالبات حقوقية وأممية ملحة بضرورة تحييد الاقتصاد عن الصراعات وتوفير الحماية للمدنيين.
توضيحات وزارة المالية بشأن الرسوم والأنشطة التجارية
وحسمت وزارة المالية السورية الجدل المثار بشأن فرض ضرائب ورسوم جديدة على الأنشطة التجارية والخدمية، وحقيقة القرارات التي جرى تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي، ومؤكدة عدم ارتباطها بالسياسة الضريبية للدولة.
ونفت الوزارة صحة المعلومات المتداولة بشأن استحداث أعباء ضريبية جديدة على أصحاب المهن التجارية والخدمية، مؤكدة أن القرارات محل الجدل لا تعكس إجراءات ضريبية صادرة عنها، وإنما تتعلق برسوم إدارية أقرتها جهة محلية.
وأوضحت الوزارة، في بيان رسمي صدر يوم الأحد، أن القرار رقم 57 الصادر في 27 سبتمبر 2026، والذي أثار تساؤلات كبيرة بشأن طبيعة الرسوم المفروضة على أصحاب المهن، صدر عن المكتب التنفيذي لمجلس مدينة أعزاز في محافظة حلب، ولا يتبع وزارة المالية أو دوائرها الضريبية الرسمية وفقًا لما نقلته وكالة الأنباء السورية سانا.
أبعاد التمييز بين الترخيص الإداري والسياسة الضريبية
وفي توضيحها لطبيعة المبالغ الواردة في القرار المشار إليه، أشارت وزارة المالية السورية إلى أنها تندرج حصرًا ضمن رسوم الترخيص الإداري ومزاولة المهن السنوية، وهي مبالغ تحصلها الوحدات الإدارية المحلية لتمويل الخدمات التي تقدمها للمواطنين وتطويرها.
وبذلك فرقت الوزارة بوضوح بين الرسوم المحلية المرتبطة بترخيص الأنشطة المهنية وممارستها في المناطق المختلفة، وبين الضرائب التي تخضع للسياسة الضريبية العامة للدولة، مؤكدة أن القرار المتداول لا يمثل فرض ضرائب جديدة من جانب وزارة المالية.
وشددت الوزارة على أن فرض الضرائب والرسوم الجديدة يخضع للقوانين والمراسيم المركزية المنظمة للسياسة الضريبية، موضحة أن المكاتب التنفيذية والمجالس المحلية لا تملك صلاحية استحداث ضرائب جديدة خارج الأطر التشريعية، متطرقة إلى أن الإجراءات الآتية تستهدف ترسيخ الشفافية وتوضيح الصلاحيات الممنوحة للإدارات المحلية.
النظام الضريبي الجديد المرتقب وتحديات بيئة الأعمال
بالتوازي مع نفي فرض أعباء ضريبية جديدة في الوقت الراهن، أشارت وزارة المالية إلى استعدادها لتطبيق نظام ضريبي جديد مع بداية عام 2027، يستهدف توفير تسهيلات وحوافز ملموسة لقطاع الأعمال، بما يسهم في تنشيط الحركة الاقتصادية وتحفيز الاستثمارات.
وذكرت الوزارة أن النظام المرتقب يتبنى مبادئ التبسيط والعدالة والحياد الضريبي، مع اعتماد معدلات ضريبية منخفضة وصفت بأنها من الأدنى في المنطقة، إلى جانب تخفيف الأعباء بصورة كبيرة عن ذوي الدخل المحدود والشركات الصغيرة.
وأكدت الوزارة استمرار توجهها نحو تخفيف الأعباء الضريبية ومكافحة الفساد وتعزيز الالتزام القانوني، مشيرة إلى أن هذه الأولويات تأتي ضمن مساعيها لترسيخ الشفافية وتوسيع الشراكة مع قطاع الأعمال والمجتمع المحلي، رغم التحديات التضخمية الناتجة عن الارتفاع المتكرر لأسعار الوقود والمازوت.
انتهاكات الميليشيات المسلحة وتأثيرها على حياة المدنيين
على الجانب الأمني والحقوقي، تشير التقارير الصادرة عن المفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة والمؤرخة في يوليو 2025 وفي تحديثات عام 2026 إلى استمرار وقوع انتهاكات واسعة النطاق ارتكبتها ميليشيات وجماعات مسلحة في مناطق مختلفة من البلاد.
وتضمنت هذه الانتهاكات حالات الاعتقال التعسفي، والاحتجاز دون محاكمات عادلة، والاستيلاء على ممتلكات المدنيين والأراضي الزراعية، بالإضافة إلى فرض إتاوات غير قانونية على حركة البضائع والتجار عند المعابر والمنافذ التي تسيطر عليها تلك الجماعات.
وتؤكد البيانات الحقوقية الدولية، أن هذه الممارسات لا تقتصر على تهديد سلامة المدنيين وأمنهم الشخصي، بل تؤدي بشكل مباشر إلى خنق الأنشطة الاقتصادية المحلية، وإعاقة وصول المساعدات الإنسانية إلى آلاف العائلات المحتاجة في المناطق النائية.
تفاقم الأزمة الإنسانية ومعدلات الفقر في التقارير الأممية
وتوثق التقارير الحديثة الصادرة عن مكتب الأمم المتحدة لنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) لعام 2026 أرقامًا صدمية تعكس حجم المعاناة؛ حيث يعيش أكثر من 90% من السكان تحت خط الفقر، مع حاجة ما يزيد عن 16.7 مليون شخص إلى مساعدة إنسانية عاجلة داخل سوريا.
وتؤكد تقارير لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا الصادرة في مارس/آذار 2026، أن الفساد الهيكلي وانعدام الأمن وانتشار السلاح خارج السلطة الشرعية يمثلون العوائق الرئيسية أمام وصول الإمدادات الأساسية وتأمين سبل العيش للنازحين والسكان المحليين على حد سواء.
وتوضح الأرقام الأممية الموثقة أن ارتفاع تكاليف المعيشة وغياب التغطية الصحية المناسبة يضعان ملايين السوريين أمام خيارات معيشية قاسية يوميًا.
تداعيات أزمة الطاقة والوقود على الأنشطة الاقتصادية
وتلقي أزمة الطاقة والارتفاع المتكرر لأسعار المازوت والوقود بظلالها الثقيلة على كافة القطاعات الإنتاجية والخدمية في سوريا، ما يعمق حالة الركود ويضعف القدرة التنافسية للشركات والمصانع المحلية.
وتفيد التقديرات الاقتصادية الموثقة بأن تكاليف النقل والتشغيل ارتفعت بنسب قياسية خلال الفترة الأخيرة، مما ينعكس مباشرة على أسعار السلع الغذائية والمواد الأساسية في الأسواق.
ورغم المبادرات الحكومية لتخفيف صدمة أسعار الوقود وتحديد مستويات تسعيرية جديدة للمازوت، إلا أن الشلل الفعلي الذي تصاب به بعض القطاعات الحيوية يتطلب معالجات جذرية وشاملة للملف الاقتصادي ككل، ترتبط بتأمين منابع الطاقة واستقرار سلاسل الإمداد والتوريد.
حصر الصلاحيات وفرض سيادة القانون كمطلب أساسي
ويجمع خبراء الاقتصاد ومراقبون حقوقيون على أن معالجة الأوضاع المعقدة في سوريا تتطلب خطوات جادة نحو تطبيق العدالة وانفاذ القانون وفرض التزام كافة الجهات بالمرجعيات التشريعية الرسمية للدولة. وإن حصر صلاحيات فرض الضرائب والرسوم بالمؤسسات المركزية المخولة قانونًا يمثل خطوة ضرورية للحد من الفوضى الممالية والحد من الممارسات غير القانونية التي تنتهجها الميليشيات والوحدات غير النظامية في فرض الجباية والإتاوات.
ويرى المتابعون، أن إصلاح السياسات الضريبية وتحسين البيئة الاستثمارية لن يحققا النتائج المرجوة ما لم يترافقا مع خطوات أمنية ملموسة تحمي التجار والمواطنين من التجاوزات وضمان استقرار الممرات التجارية الداخلية والخارجية.
التوقعات المستقبلية ومتطلبات الإصلاح الشامل
تبقى التوقعات بشأن التعافي الاقتصادي والحقوقي في سوريا مرهونة بمدى تحقيق استقرار أمني وسياسي شامل يضع حدًا لسيطرة الجماعات المسلحة والميليشيات المخالفة للقانون، ويكفل حماية حقوق الإنسان للجميع.
وإن تطبيق النظام الضريبي الجديد المرتقب بداية عام 2027 يمكن أن يشكل دافعًا لإنعاش قطاع الأعمال إذا ما تم توفير البيئة الأمنية المناسبة وحماية الاستثمارات الوطنية.
ويؤكد الخبراء، أن المجتمع الدولي والمنظمات الأممية يواصلون متابعة المستجدات الميدانية والاقتصادية، مع التشديد على أن أي حلول مستدامة يجب أن تستند إلى قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، وضمان حماية المدنيين ومكافحة جميع أشكال الانتهاكات والإتاوات غير المشروعة التي تثقل كاهل الشعب السوري.