في تحول دراماتيكي مفصلي يعكس عمق الأزمة السودانية المتفاقمة وتعاظم الضغوط الدولية لإنهاء المأساة الإنسانية الأكبر في العالم لعام 2026، أحدث التقرير السنوي الصادر عن وزارة الخارجية الأمريكية حول الاتجار بالبشر زلزالًا سياسيًا ودبلوماسيًا هز أركان السلطة العسكرية في بورتسودان.
وأسقط التقرير الأمريكي رسميًا وصف «حكومة السودان» عن التشكيل القيادي الذي يتزعمه عبد الفتاح البرهان، مكررًا عبارة «الحكومة المرتبطة بالقوات المسلحة السودانية» ثلاثًا وثلاثين مرة في نص وثائقي واحد.
هذا التوصيف القانوني والدبلوماسي الدقيق، الذي يتزامن مع التقارير الأممية والدولية الموثقة حول الانتهاكات الجسيمة والتجنيد القسري للأطفال، لم يكن مجرد تغيير في المصطلحات اللفظية، بل ينطوي على تعرية كاملة للشرعية المزعومة التي تحاول قيادة الجيش التسويق لها دوليًا.
وتؤكد القراءات الحقوقية والسياسية أن الإدارة الأمريكية، عبر رفع مستوى الضغوط ورفض منح البرهان تأشيرة دخول إلى نيويورك لمخاطبة الجمعية العامة للأمم المتحدة، تضع الأساس القانوني والسياسي لإجراءات حاسمة تستهدف تجفيف منابع السلاح، ومحاسبة المتورطين في جرائم الحرب، وإفساح المجال أمام حكومة مدنية مستقلة تعبّر عن الإرادة الشعبية الحقيقية وتنهي حقبة الانقلابات العسكرية العبثية.
تفاصيل تقرير الخارجية الأمريكية وسقوط الشرعية المزعومة لسلطة بورتسودان
حمل التقرير السنوي للاتجار بالأشخاص لعام 2026، الصادر عن وزارة الخارجية الأمريكية، دلالات سياسية وقانونية قاطعة، إذ صنّف سلطة بورتسودان ضمن المستوى الثالث، وهو أدنى مستوى في تصنيف الدول التي لا تلتزم بالحد الأدنى من المعايير الإنسانية للقضاء على الاتجار بالبشر.
وأكد النص الأمريكي الصريح أن «الحكومة التابعة للقوات المسلحة السودانية لا تلتزم بالمعايير الدنيا للقضاء على الاتجار بالبشر، ولا تبذل جهودًا تُذكر في هذا الصدد»، مشيرًا إلى أن البرهان يمثل الرئيس الفعلي لحكومة أمر واقع مرتبطة بالمؤسسة العسكرية والواجهات الحزبية النفعية.
ويرى السياسيون والحقوقيون أن قرار واشنطن التوقف التام عن استخدام مسمى «حكومة السودان» يترجم موقفًا استراتيجيًا متماسكًا يرفض إضفاء أي شرعية على سلطات الأمر الواقع المنبثقة عن الانقلابات، ويشترط أيلولة السلطة كاملةً إلى المدنيين لإعادة بناء المؤسسات الوطنية المنهارة.
تقارير أممية وحقوقية توثق التجنيد القسري للأطفال والتنكيل بالمدنيين
وأكدت التقارير الأممية، بالأرقام والوقائع، انتهاك الجيش السوداني والأطراف المتصارعة للمواثيق الدولية عبر ممارسة التجنيد القسري الممنهج للأطفال واستخدامهم جنودًا ومقاتلين في الصفوف الأمامية منذ اندلاع الأعمال العدائية في الخامس عشر من أبريل 2023.
وأوضحت الوثائق الحقوقية أن سلطة البرهان فشلت تمامًا في فتح أي تحقيقات جنائية أو مقاضاة أي من المسؤولين العسكريين والمتورطين في جرائم التجنيد القسري والاتجار بالبشر، فضلًا عن إغلاق مراكز الإيواء ورعاية الضحايا، مما يثبت الغياب الكامل لسيادة القانون وتحول مؤسسات الدولة إلى أجهزة تنفيذية تخدم الأجندات العسكرية والحزبية الضيقة.
وأكد سياسيون أن التوصيف الأمريكي يعبر عن الحقائق الميدانية لحكومة الأمر الواقع التي يقودها البرهان نيابةً عن الحركة الإسلامية والواجهات الإخوانية المتطرفة.
وأوضحوا أن الانقلاب العسكري الذي نفذه البرهان في أكتوبر 2021 كان هدفه قطع الطريق أمام التحول المدني الديمقراطي وإعادة إنتاج النظام القديم، مما أسهم في تفاقم الأزمة الإنسانية التي أفضت إلى واحدة من أكبر المآسي الإنسانية التي شهدها العالم.
التكتيكات الدولية والتهيئة لإجراءات حظر السلاح وحماية المدنيين
وأشار الباحثون إلى أن الاستقصاء الأمريكي في مخاطبة الفاعلين السودانيين بأوصافهم الحقيقية ينطلق من قناعة دولية مفادها أن الجيش السوداني، بوضعه الحالي، بات محكومًا ببرامج وأجندات تنظيمية عقائدية تمارس انتهاكات واسعة ولا تمثل كيان الدولة الجامعة.
وأكدوا أن التحركات الأمريكية الحالية تهيئ الأرضية القانونية والسياسية الدولية لاتخاذ قرارات حاسمة، بما في ذلك فرض حظر شامل على توريد السلاح إلى السودان، والالتفاف على أي «فيتو» محتمل عبر إجراءات منفردة تستند إلى سحب الاعتراف بالشرعية.
وتهدف هذه التكتيكات المتسارعة إلى توفير المبررات القانونية الصارمة للتدخل الدولي وحماية المدنيين من بطش العسكريين، وتجفيف خطوط الإمداد التي تغذي الحرب الأهلية وتدمر البنية التحتية للبلاد.
إن استعادة السيادة الوطنية والكرامة الإنسانية تشترط بناء جيش مهني موحد يخضع للسلطة المدنية الشرعية، وتفكيك بنى الفساد والتمكين الحزبي داخل أجهزة الدولة.
ويبقى الرهان معقودًا كليًا على وحدة القوى المدنية الديمقراطية والتفاف الشعب السوداني حول خيارات ثورة ديسمبر المجيدة، لإرغام أطراف النزاع على الخضوع للحلول السلمية، وتأسيس دولة المواطنة والعدالة وحكم القانون التي تتسع لجميع أبناء الوطن دون تمييز أو وصاية عسكرية.

