عندما تعلن الأكاديمية السويدية اسم الفائز بجائزة نوبل في الأدب خلال شهر أكتوبر، يكون القرار قد مر برحلة طويلة من الترشيحات والقراءة والمناقشات والتقييمات السرية، بدأت قبل ذلك بأشهر، وربما سبقتها تحضيرات امتدت إلى العام السابق.
وبينما يترقب ملايين القراء حول العالم اسم الكاتب الذي سيحصل على واحدة من أبرز الجوائز الأدبية الدولية، تظل أسماء المرشحين الفعليين بعيدة عن الأضواء، إذ تفرض قواعد مؤسسة نوبل سرية على معلومات الترشيحات والمداولات لمدة تصل إلى 50 عامًا.
ولا تقتصر أهمية عملية اختيار الفائز بجائزة نوبل في الأدب على لحظة الإعلان الرسمي، بل إن كل مرحلة من مراحلها تؤدي دورًا في تضييق دائرة المنافسة، بدءًا من تحديد الشخصيات والمؤسسات التي يحق لها تقديم الترشيحات، مرورًا بفحص الأسماء ودراسة الأعمال الأدبية، وصولًا إلى التصويت النهائي داخل الأكاديمية السويدية.
حيث تبدأ دورة الترشيح لجائزة نوبل سنويًا في سبتمبر، عندما تُرسل لجنة نوبل المختصة دعوات إلى الأشخاص والجهات التي تتمتع بحق تقديم الترشيحات، وتؤكد مؤسسة نوبل أن عملية الترشيح تتم عن طريق دعوات، وأن الشخص لا يستطيع ترشيح نفسه للحصول على الجائزة، بينما تنص القواعد العامة على أن الترشيحات يجب أن تقدم كتابة ومن أشخاص مؤهلين وفق القواعد المنظمة للجائزة.
وتشمل الجهات والأشخاص الذين يحق لهم تقديم ترشيحات جائزة نوبل في الأدب أعضاء الأكاديمية السويدية والأكاديميات والمؤسسات والجمعيات المماثلة، وأساتذة الأدب واللغويات في الجامعات، والحائزين السابقين على جائزة نوبل في الأدب، فضلًا عن رؤساء جمعيات المؤلفين التي تمثل النشاط الأدبي في بلدانها، وفق القواعد الخاصة بالجائزة والتاريخ الموثق لآلية الترشيح.
لماذا لا يستطيع الكاتب ترشيح نفسه لجائزة نوبل؟
ومن أبرز القواعد الثابتة في نظام نوبل، أن الترشيح الذاتي غير مقبول، أي إن الكاتب الذي يرى أنه يستحق الجائزة لا يستطيع تقديم اسمه بنفسه إلى لجنة نوبل باعتباره مرشحًا رسميًا، وتوضح مؤسسة نوبل صراحة أن أي شخص لا يمكنه ترشيح نفسه للحصول على الجائزة، بينما تأتي الترشيحات من أشخاص ومؤسسات محددة وفق الأطر المعتمدة.
وتمنح هذه القاعدة عملية الترشيح طابعًا مؤسسيًا، إذ لا يكون وجود اسم كاتب في دائرة الترشيحات نتيجة طلب مباشر منه، وإنما نتيجة اقتراح مقدم من جهة أو شخصية مخولة بذلك.
الموعد النهائي للترشيحات.. ماذا يحدث في بداية العام؟
بعد بدء إرسال دعوات الترشيح في سبتمبر، تستمر عملية استقبال المقترحات حتى بداية فبراير من العام التالي.
وتنص القواعد العامة لمؤسسة نوبل على أن عملية منح الجائزة تشمل الترشيحات التي تصل حتى الأول من فبراير، وهو ما يعني أن مرحلة الترشيح تمتد عبر أشهر قبل انتقال الملف إلى مراحل الدراسة والاختيار.
وبعد وصول الترشيحات، تبدأ لجنة نوبل للأدب في فحص الأسماء والأعمال المقترحة، ثم تقدم توصياتها إلى الأكاديمية السويدية، التي تمثل الجهة التي تتخذ القرار النهائي بشأن الفائز بجائزة نوبل في الأدب.
من مئات الترشيحات إلى قائمة المرشحين الأولية؟
ولا يعني تقديم اسم كاتب إلى جائزة نوبل في الأدب أنه أصبح تلقائيًا ضمن القائمة النهائية للمنافسة، فعملية الاختيار تمر بعدة مراحل من الدراسة والتقييم.
ووفق التسلسل المعروف لعمل لجنة نوبل للأدب، تخضع الترشيحات للفحص، ثم تضيق دائرة الأسماء تدريجيًا مع تقدم العام.
وفي مرحلة لاحقة من العام، يجري إعداد قائمة أولية تضم عددًا محدودًا من الأسماء التي تحظى باهتمام اللجنة، قبل أن تتقلص القائمة بصورة أكبر وصولًا إلى مجموعة نهائية تعرض على الأكاديمية السويدية لدراستها والتصويت بشأنها.
وتوضح المواد التاريخية المنشورة على موقع نوبل أن لجنة نوبل للأدب تضطلع بمهمة إعداد التقارير والتوصيات بشأن المرشحين، وأن اللجنة كانت تاريخيًا تضم خمسة أعضاء من الأكاديمية السويدية، مع الاستعانة بخبراء في لغات وآداب مختلفة لتقييم الأعمال المقدمة.
القائمة النهائية.. لماذا تتركز المنافسة في خمسة أسماء؟
ومع اقتراب المراحل النهائية من عملية الاختيار، تتقلص دائرة المنافسة إلى مجموعة محدودة من المرشحين الذين تركز عليهم دراسة الأكاديمية السويدية.
ووفق آلية الاختيار المتداولة لجائزة نوبل في الأدب، يتم الوصول إلى قائمة نهائية من خمسة أسماء، لتبدأ مرحلة أكثر تركيزًا في دراسة أعمال هؤلاء المرشحين.
وخلال هذه المرحلة لا يكون التقييم قائمًا على كتاب واحد بالضرورة، وإنما ينصب على مجمل الإسهام الأدبي للكاتب وأعماله التي تشكل إنتاجه الإبداعي، وهو ما يجعل الوصول إلى القائمة النهائية نتيجة لسلسلة طويلة من الدراسة والمناقشة وليس مجرد اختيار سريع قبل الإعلان.
ماذا يحدث خلال أشهر الصيف؟
وتمثل الفترة الممتدة من يونيو إلى أغسطس مرحلة مهمة في طريق اختيار الفائز، إذ تستمر دراسة أعمال المرشحين النهائيين، بينما تعد لجنة نوبل تقاريرها وتوصياتها التي تساعد أعضاء الأكاديمية السويدية في تكوين صورة متكاملة عن الأسماء المطروحة.
وهنا تظهر أهمية عامل الوقت في جائزة نوبل للأدب، فالقرار النهائي لا يُبنى على جلسة واحدة، وإنما يأتي بعد فترة من القراءة والمناقشة ودراسة الإنتاج الأدبي للمرشحين، في عملية هدفها الوصول إلى قرار داخل المؤسسة المانحة للجائزة.
وتؤكد الوثائق التاريخية لمؤسسة نوبل أن لجنة الأدب كانت تعتمد أيضًا على خبراء متخصصين في لغات وآداب متعددة لمساعدة الأكاديمية في تقييم المرشحين والأعمال المقدمة، وهو ما يعكس اتساع نطاق الإنتاج الأدبي الذي يمكن أن يصل إلى دائرة المنافسة.
سبتمبر.. مرحلة المناقشات الأخيرة قبل التصويت
ومع حلول سبتمبر، تدخل عملية اختيار جائزة نوبل في الأدب مرحلة حاسمة، إذ تكون المناقشات داخل الأكاديمية السويدية قد اقتربت من نهايتها، وتُناقش التقارير والتقييمات المتعلقة بالمرشحين النهائيين.
وتكشف القواعد والمواد الرسمية الخاصة بمؤسسة نوبل أن أعمال لجان نوبل وآراءها وتحقيقاتها المتعلقة بمنح الجوائز تخضع لسرية مشددة، ولا يمكن نشرها مباشرة للجمهور.
وتستمر هذه السرية لمدة 50 عامًا، وهو ما يفسر عدم وجود قائمة رسمية معلنة بأسماء المرشحين الحاليين لجائزة نوبل في الأدب.
وفي أوائل أكتوبر تصل العملية إلى لحظة الحسم، عندما تجري الأكاديمية السويدية التصويت على الفائز بجائزة نوبل في الأدب، وبعد اتخاذ القرار يتم الإعلان عن اسم الكاتب الحائز للجائزة رسميًا أمام العالم.
وتنص القواعد العامة لمؤسسة نوبل على أن قرار منح الجائزة لا يخضع للاستئناف، كما أن الجهة المانحة هي التي تتولى عملية الفصل النهائي في الجائزة.
ويأتي إعلان الفائز في أكتوبر ضمن تقليد سنوي لموسم جوائز نوبل، بينما تُقام مراسم تسليم الجائزة في ديسمبر، ما يتيح فترة زمنية بين الإعلان الرسمي والاحتفال بالكاتب الفائز.
هل أسماء المرشحين المتداولة على الإنترنت رسمية؟
وهنا تكمن واحدة من أكثر النقاط التي تثير اهتمام القراء كل عام، إذ تنتشر قبل إعلان جائزة نوبل في الأدب قوائم وتوقعات بأسماء كتاب يُقال إنهم مرشحون للفوز.
لكن هذه القوائم لا يمكن اعتبارها قائمة رسمية للمرشحين، لأن مؤسسة نوبل تمنع الكشف عن أسماء المرشحين والمعلومات الخاصة بالترشيحات لمدة 50 عامًا.
وبالتالي فإن اسم الكاتب الذي يظهر في وسائل الإعلام أو في توقعات النقاد أو القوائم غير الرسمية قد يكون موضوع ترشيح أعلن عنه صاحبه أو جهة أخرى بصورة مستقلة، أو قد يكون مجرد توقع أدبي، لكنه لا يمثل بالضرورة المعلومات السرية التي تدرسها لجنة نوبل والأكاديمية السويدية.
وتؤكد قاعدة البيانات الرسمية لنوبل، أن المعلومات المتعلقة بالترشيحات لا تصبح متاحة إلا بعد مرور 50 عامًا، كما تشير المؤسسة إلى أن قاعدة بيانات الترشيحات نفسها لا تكون مكتملة في الوقت الحالي بسبب فترة السرية والتأخير المرتبط بإتاحة البيانات التاريخية.
وبعد إعلان اسم الفائز في أكتوبر، تأتي المحطة الاحتفالية الأهم في 10 ديسمبر، وهو التاريخ الذي تُقام فيه مراسم تسليم جوائز نوبل في ستوكهولم، بالتزامن مع ذكرى وفاة ألفريد نوبل.
وتشمل جائزة نوبل الميدالية والشهادة والوثيقة التي تؤكد قيمة الجائزة، وتُقدم جوائز الفيزياء والكيمياء والطب والأدب والعلوم الاقتصادية في مراسم ستوكهولم في 10 ديسمبر، بينما تُمنح جائزة نوبل للسلام في أوسلو.
وبذلك لا يكون إعلان اسم الفائز بجائزة نوبل في الأدب في أكتوبر سوى اللحظة العلنية الأخيرة لعملية بدأت قبل ذلك بفترة طويلة، وظلت تفاصيلها خلف أبواب مغلقة، من دعوات الترشيح الأولى في سبتمبر، مرورًا بفحص الأسماء ودراسة الأعمال وتقليص القائمة، وصولًا إلى المناقشات النهائية والتصويت في الأكاديمية السويدية.
وتظل السرية واحدة من أبرز سمات الجائزة، فحتى بعد مرور سنوات على الإعلان لا يمكن معرفة جميع تفاصيل الترشيحات والمداولات الخاصة بالدورة الحديثة إلا بعد انقضاء خمسين عامًا، وهو ما يجعل كل قائمة متداولة قبل الإعلان الرسمي أقرب إلى التوقع أو الترشيح المعلن، وليس كشفًا للقائمة السرية التي اعتمدت عليها الأكاديمية في اختيار الفائز.

