تخوض ليبيا واحدة من أكثر مراحل تاريخها الحديث حرجًا وتعقيدًا، حيث يتشابك الجمود السياسي المستمر مع انهيار الخدمات الأساسية وتفاقم أزمات المعيشة التي تثقل كاهل المواطنين يوميًا؛ مما يدفع بالبلاد إلى حافة المجهول.
وفيما تعاني الدولة من وجود حكومتين تتنازعان السلطة في طرابلس وبنغازي، انفتح المشهد الإداري والأمني في العاصمة طرابلس مؤخرًا على تطور مفاجئ تمثل في وصول مصطفى المجدوب، المعلن اختيارُه رئيسًا لـ”حكومة موحدة” من قبل اجتماع لسياسيين ونشطاء عُقد في جنيف، ليعلن من المطار حظرًا وتجميدًا لعمل مجلسي “النواب” و”الأعلى للدولة”، داعيًا إلى الاستفتاء على الدستور وإجراء انتخابات خلال شهور.
إن هذا التحرك الفردي، الموصوف بخلط الأوراق وخلق جسم تنفيذي ثالث خارج نطاق الاتفاقات الدولية، لا يعبر إلا عن عمق الفراغ السياسي والمؤسسي الذي تمر به البلاد، ويتزامن مع شلل واضطراب اقتصادي تدفع ثمنه المباشر الفئات الهشة والمجتمعات المحلية.
صراع الشرعيات وتوالت المبادرات: خلط للأوراق أم مناورة أمنية؟
شهد المشهد الليبي حالة من اللغط والسخرية السياسية عقب الكلمة المتلفزة التي وجهها مصطفى المجدوب للشعب الليبي، والتي أعلن فيها حالة النفير العسكري العام لحماية الحدود وحظر المجلسين التشريعي والاستشاري، موازاة مع دعوته لرئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي ورئيسي الحكومتين عبد الحميد الدبيبة وأسامة حماد لتسليم السلطة سلميًا.
وعلى الرغم من استقبال الشارع الليبي والأوساط الرسمية لهذه التصريحات بتجاهل تام من قبل حكومة الوحدة الوطنية والمجلس الرئاسي الذي توجه رئيسه إلى القاهرة لمشاركات إفريقية، إلا أن تحركات ميدانية ترافق معها ترويج ناصر عمار، آمر “قوة الإسناد بعملية بركان الغضب”، لما وصفه بقرارات القائد الأعلى المجدوب لتأمين البعثات الدبلوماسية والمؤسسات الحيوية، مما فتح باب التساؤلات حول طبيعة الدعم الأمني والتحالفات الخفية في الغرب الليبي.
وفي الوقت الذي نفت فيه بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بوضوح أي صلة لها بملتقى جنيف أو مخرجاته التي نتج عنها اختيار المجدوب، يرى مراقبون وسياسيون ليبيون أن هذه التحركات تنطوي على محاولات لمناكفة الأجسام القائمة وتشتيت الجهود الدولية والمحلية الرامية إلى تحقيق التوافق.
إلا أن أصواتا أخرى، مثل سعد بن شرادة عضو المجلس الأعلى للدولة، اعتبرت أن جرأة طرح المشروعات بشكل علني تحسب للمبادرة في ظل الشلل التام الذي تصاب به المؤسسات التشريعية والتنفيذية منذ سنوات، مؤكدين أن البلاد بحاجة إلى حراك يكسر حالة الجمود حتى وإن افتقد الغطاء الأممي المباشر، طالما ظل هدف الوصول إلى انتخابات ودستور دائم هو المحدد النهائي لإرادة الناخبين.
الكلفة الإنسانية والاقتصادية للانقسام: أرقام وتقارير أممية وحقوقية
ولا تتوقف تداعيات هذا الانقسام الحكومي والسياسي عند حدود التراشق الإعلامي والمبادرات المستقلة، بل تمتد لتلقي بظلالها المباشرة على الأوضاع الإنسانية والاقتصادية المستمرة في التدهور؛ حيث تؤكد التقارير الصادرة عن لجنة الخبراء الأممية المعنية بليبيا التابعة للأمم المتحدة، الصادرة في مراجعتها الدورية لعام 2024، أن الصراع على إدارة الموارد المباشرة ومؤسسات الطاقة أدى إلى خسائر مالية تجاوزت 3.4 مليار دولار أمريكي نتيجة الإغلاقات المتكررة للحقول النفطية وتعطيل الصادرات.
كما أوضحت المنظمة الدولية للهجرة (IOM) -في بياناتها الموثقة-، أن استمرار الانسداد السياسي أدى إلى نزوح داخلي واضطراب معيشي يمس أكثر من 300 ألف مواطن، إلى جانب تفاقم هشاشة الأوضاع الأجهزة الخدمية في القطاعات الصحية والتعليمية.
وفي السياق ذاته، كشف التقرير السنوي الصادر عن المفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة لعام 2024/2025 عن تسجيل ارتفاع بنسبة 28% في الانتهاكات المتعلقة بالاحتجاز التعسفي والتضييق على حرية التعبير والتظاهر السلمي في مختلف مناطق السيطرة، نتيجة تعدد الأجهزة الأمنية والميليشيات المسلحة التي تعمل بعيدًا عن رقابة القضاء التابع للدولة.
كما أفاد تقرير منظمة العفو الدولية الصادر مؤخرًا، بأن غياب الحكومة الموحدة والرقابة القضائية النافذة أسهم في تفشي شبكات التهريب والابتزاز المالي واستغلال المهاجرين واللاجئين، مشيرًا إلى أن أكثر من 80% من السكان في المناطق النائية يعانون من انقطاعات متكررة في التيار الكهربائي ونقص حاد في السيولة النقدية والمستلزمات الطبية الأساسية.
مسارات الحل وتحديات الاستحقاق الانتخابي المعطل
وأمام هذه التعقيدات الميدانية والسياسية، تواصل البعثة الأممية لدى ليبيا جهودها لتفكيك الأزمة عبر مسارات الحوار الهيكلي ومحاولة تقريب وجهات النظر بين القوى الفاعلة للوصول إلى قاعدة دستورية صلبة تمهد لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.
وتشدد التقارير الأممية والدولية على أن الحل في ليبيا لن يأتى عبر إنشاء حكومات ثالثة ورابعة بعيدة عن التوافق الشامل والاعتراف الدولي، بل يستلزم توحيد المؤسسة العسكرية والأمنية، وحصر السلاح بيد السلطة الشرعية، وإرساء نظام شفاف لإدارة عائدات النفط والموارد العامة يمنع استغلالها في النزاعات السياسية والمالية.
إن معالجة الأزمة الليبية تتطلب تجاوز المناورات الفردية وتغليب المصلحة الوطنية العليا للعبور بالبلاد من الفراغ الانتقالي الممتد منذ عام 2011 إلى مرحلة الاستقرار الدائم.
وبدون التزام حقيقي من كافة الأطراف الفاعلة بتفكيك الميليشيات وإجراء استحقاق انتخابي شفاف ينهي النزاع على الشرعية، ستظل ليبيا عرضة للتجاذبات الداخلية والضغوط الاقتصادية التي تزيد من معاناة الشارع الليبي وتعيق فرص التعافي الوطني.

