تقف إيران اليوم في قفص الاتهام الدولي، عارية أمام العالم بعد توثيق أدق تفاصيل جرائمها الدموية التي ارتكبتها بحق المدنيين العزل خلال واحدة من أشرس موجات القمع في تاريخها الحديث.
وفي الوقت الذي سعت فيه السلطات الإيرانية إلى فرض جدار حديد من التعتيم الرقمي وقطع شبكات الإنترنت لإخفاء فظائعها، انتصرت كاميرات الهواتف الذكية للمتظاهرين لتوثق بالصوت والصورة فصول مأساوية ارتقت إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية.
شرارة الغضب الشعبي: من انهيار العملة إلى احتجاجات غير مسبوقة تعم المحافظات
وانطلقت شرارة الغضب العارم في الشارع الإيراني يوم 28 ديسمبر 2025، عندما خرج أصحاب المتاجر والفعاليات التجارية في السوق الكبير بالعاصمة طهران في تظاهرات غاضبة احتجاجًا على الانهيار المريع للريال الإيراني، وتفاقم معدلات التضخم، والتدهور الشديد في الظروف المعيشية.
وسرعان ما تجاوزت الاحتجاجات الطابع المعيشي البحت لتكتسب أبعادًا سياسية عميقة، ممتدة بسرعة البرق لتشمل أكثر من 100 مدينة ومحافظة إيرانية، في واحدة من أوسع وأشجع الحركات الاحتجـاجية ضد سياسات النظام القمعية.
وفي مواجهة هذه التعبئة الشعبية الواسعة، لجأت أجهزة الأمن الإيرانية، مدعومة بعناصر قوات «الباسيج»، إلى استخدام أساليب البطش والقمع المفرط، متجاوزة كل القوانين والأعراف الدولية.
وتشير تقارير صحفية نشرتها صحيفة «ديلي ميل» البريطانية إلى أن السلطات الإيرانية واجهت المحتجين بالضرب المبرح والاعتقالات الجماعية العشوائية، بينما وثقت التسجيلات المصورة انتشار عناصر القناصة والفرق الأمنية فوق أسطح المباني الحكومية لاستخدام الأسلحة النارية الحية ضد المواطنين العزل الساعين إلى نيل حريتهم وكرامتهم.
8 و9 يناير.. أيام الدم والمجازر الكبرى تحت غطاء التعتيم الرقمي
وبلغت المواجهات الدموية ذروتها الساحقة يومي 8 و9 يناير/كانون الثاني 2026، وهو الثنائي الدامي الذي وصفته بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة بأنه الفترة الأكثر دموية ووحشية في قمع الانتفاضة الشعبية.
وفي هذين اليومين المشهودين، تعرض المتظاهرون لإطلاق نار مكثف ومتعمد من قوات الأمن التي استهدفت المناطق الحيوية في أجساد الضحايا، بينما امتلأت المستشفيات والمراكز الطبية بآلاف المصابين الذين عجزت الكوادر الطبية عن إسعافهم نظرًا لنقص المستلزمات الطبية والتهديدات الأمنية المستمرة باعتقال الجرحى من داخل غرف العلاج.
وتزامنًا مع حمام الدم، فرضت السلطات الإيرانية انقطاعًا شبه كامل وشاملاً لخدمات الإنترنت وخطوط الاتصال منذ 8 يناير/كانون الثاني 2026، في محاولة يائسة لحجب هول المجازر ومنع تسريب الصور ومقاطع الفيديو إلى الخارج.
وتكشف السلسلة الوثائقية الجديدة «هذه قصتنا»، من إنتاج قناة «منوتو» المعارضة والتي جمعت أكثر من 10 آلاف تسجيل مصور وشهادة حية، مشاهد مروعة لأشخاص يحاولون إسعاف المصابين بوسائل بدائية في الشوارع التي تحولت إلى ساحات حرب حقيقية، بينما تكدست جثامين القتلى في المشارح وسط بحث مفجع من العائلات عن ذويهم المفقودين.
تقارير أممية وحقوقية تدين النظام: جرائم ضد الإنسانية ومساءلة دولية مرتقبة
ولم تقتصر عمليات التوثيق الشجاعة على لحظات إطلاق النار الميداني، بل امتدت لتشمل المستشفيات والمشارح ومراسم التشييع التي تحولت بدورها إلى منصات هتاف وتنديد بسلطات الملالي.
وفي هذا السياق، وثقت منظمات حقوقية عالمية بارزة مثل منظمة العفو الدولية و«هيومن رايتس ووتش» استخدام قوات الأمن الإيرانية لبنادق الصيد وطلقات معدنية قاتلة والغاز المسيل للدموع بوحشية منقطعة النظير.
وقد توجت هذه الجهود الحقوقية بخلاصات حاسمة أصدرتها بعثة تقصي الحقائق التابعة لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في شهر سبتمبر 2026، والتي أكدت بوضوح أن الانتهاكات والجرائم الموثقة ضد المتظاهرين الإيرانيين ترتقي رسميًا إلى مصاف الجرائم ضد الإنسانية.
وفي ظل التقديرات الحقوقية التي تشير إلى سقوط آلاف الضحايا وتفاوت الأرقام نتيجة القيود الحكومية الصارمة، تؤكد السلسلة الوثائقية أن كاميرات الهواتف الذكية التي حملها المواطنون الأبطال تحولت إلى أرشيف شعبي خالد يحفظ ذاكرة الدماء ويلاحق الجناة دوليًا.
إن هذه الإدانات الأممية المتلاحقة والتوثيق الرقمي الدقيق يضعان النظام الإيراني أمام حقيقة ساطعة مفادها أن جرائم القمع الميداني والتعتيم الممنهج لن تفلت من العقاب، وأن عدالة التاريخ ستقتص عاجلًا آجلًا لدماء الأبرياء الذين روت دماؤهم تراب الحرية في إيران.

