تعيش الدولة الليبية على وقع أزمات عميقة ومتلاحقة ترسم ملامح مرحلة هي الأقسى على الإطلاق، وسط فوضى عارمة تسببت فيها الميليشيات المسلحة وجهاز حرس المنشآت النفطية، الذي تحول إلى أداة لتعطيل شرايين الاقتصاد الوطني.
وفي مشهد بالغ الخطورة وثقته أحدث التقارير الحقوقية والأممية الصادرة في شهر سبتمبر 2026، تتوالى الإغلاقات القسرية التي تضرب قطاع النفط الليبي، مهددة بوقف الإنتاج كليًا وعرقلة إمدادات الوقود الأساسية للمواطنين ومحطات توليد الكهرباء.
نزيف الاقتصاد الليبي: خسائر بمليارات الدولارات وتوقف خط حقل الشرارة
تتوالى الضربات الموجعة التي تتعرض لها البنية التحتية لقطاع الطاقة في ليبيا، نتيجة التحركات غير القانونية والابتزاز المستمر الذي تمارسه عناصر تابعة لجهاز «حرس المنشآت النفطية»، مما أدى إلى شبه شلل تام في حركة الإنتاج وتدفق إمدادات الوقود.
وأوضحت المؤسسة الوطنية للنفط، في بيان رسمي صدر السبت، أن إغلاق الصمام رقم 7 على خط نقل الخام الحيوي الرابط بين حقل «الشرارة» ومصفاة «الزاوية» قد أجبرها على وقف إحدى وحدات التكرير بشكل قسري، بهدف إطالة فترة تشغيل الوحدة الأخرى إلى أقصى حد ممكن لتجنب الشلل الكامل.
وجاء هذا التطور الخطير بعد أيام قليلة من إغلاق صمام نفطي آخر في منطقة «الحمادة» على ذات الخط، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع ضغط خطوط الأنابيب وانخفاض معدلات إنتاج حقل «الشرارة»، الذي تصل طاقته الإنتاجية التصميمية إلى نحو 300 ألف برميل يوميًا، وهو ما يعد جريمة صريحة بحق مقدرات الشعب الليبي واقتصاده الوطني.
وفي لغة أرقام تفضح حجم الكارثة، عمّقت هذه التطورات الميدانية خسائر قطاع النفط الليبي بشكل غير مسبوق؛ إذ بلغ إجمالي الكميات المفقودة من النفط الخام خلال خمسة أيام فقط من الإغلاق القسري نحو 942 ألفًا و376 برميلًا، فيما تجاوزت الخسائر المالية المباشرة حتى الخامس والعشرين من سبتمبر الجاري حاجز 95 مليون دولار أمريكي.
وتشير التقارير الأممية الموثقة إلى أن هذه الممارسات الإجرامية للميليشيات تتزامن مع تفاقم الأزمات الإنسانية والمعيشية في مختلف المدن الليبية، حيث تعجز السلطات عن تأمين الاحتياجات الأساسية للمواطنين بسبب تعمد الجماعات المسلحة تعطيل المرافق الحيوية واستخدامها كورقة ضغط لتحقيق مكاسب غير مشروعة، متجاهلة التداعيات المدمرة على حياة السكان وتوقف محطات توليد الطاقة الكهربائية.
تداعيات إغلاق مصفاة الزاوية: أزمة وقود خانقة وانقطاع التيار الكهربائي
تنعكس الأزمات المتتالية واعتداءات الميليشيات على قطاع النفط بصورة مباشرة وخطيرة على الحياة اليومية للمواطن الليبي، لا سيما بعد انخفاض القدرة التشغيلية لمصفاة «الزاوية»، التي تبلغ طاقتها التكريرية نحو 120 ألف برميل يوميًا.
وفي هذا السياق، أكدت المؤسسة الوطنية للنفط أنها تبحث بشكل عاجل ترتيب شحنة إسعافية من الخام عبر ميناءي «مليتة» أو «السدرة» لتغذية المصفاة مؤقتًا، وذلك لمحاولة تفادي انتقال نقص الخام إلى إمدادات الوقود اللازمة لتشغيل محطات توليد الكهرباء في المنطقة الغربية. وتحتاج محطتا «غرب طرابلس» و«الحرشة» وحدهما إلى نحو 5200 متر مكعب من الوقود يوميًا، مما يعني أن استمرار إغلاق صمامات النفط يضع ملايين الليبيين أمام شبح الظلام الشامل وانقطاع التيار الكهربائي لفترات طويلة.
وفي قراءة تحليلية لهذا المشهد المعقد، ترى مصادر أن تداعيات إغلاق خط «الشرارة» لا تقتصر أبدًا على مجرد انخفاض طفيف في إنتاج الخام، بل تمتد عبر سلسلة مترابطة وكارثية لتشمل مختلف أجزاء قطاع النفط والاقتصاد الكلي.
وأوضحت المصادر أن تراجع إنتاج الحقل يعني حتمًا انخفاض الكميات المتاحة للتصدير الخارجي، وفي الوقت نفسه يقلل الإمدادات التي تصل إلى مصفاة الزاوية، ما يحد بشكل كبير من قدرتها على تلبية احتياجات السوق المحلية من المشتقات النفطية، كالديزل والبنزين.
وأضافت أن استمرار هذه الإغلاقات سيجبر الدولة على استنزاف العملة الصعبة لتعويض النقص عبر زيادة واردات المشتقات من السوق العالمية، مشددة على أن هذه الممارسات العبثية للميليشيات تقوض تمامًا استقرار الاقتصاد الوطني وتستنزف إيرادات الدولة العامة.
عجز حكومي وتعنت الميليشيات: فوضى السلاح وتقويض هيبة الدولة في ليبيا
وتؤكد التقارير الحقوقية والدولية الصادرة في سبتمبر 2026 أن تفشي ظاهرة الميليشيات المسلحة وسيطرتها على المناطق الحيوية يشكلان التهديد الأكبر لاستقرار ليبيا ووحدتها الترابية، حيث امتدت تحركات المحتجين من منتسبي جهاز «حرس المنشآت النفطية» لتشمل إغلاق بوابات مصفاة «الزاوية» وشركة «البريقة لتسويق النفط»، مما أعاق دخول العاملين ومنع تبديل الورديات الفنية.
ورغم محاولات الحكومة احتواء الأزمة عبر قرار رئيس حكومة الوحدة «المؤقتة»، عبد الحميد الدبيبة، القاضي بسريان الأحكام المنظمة لمرتبات منتسبي الجيش على أفراد حرس المنشآت النفطية، إلا أن هذه الترضيات الحكومية فشلت ذريعًا في إقناع الميليشيات بفك الحصار عن المنشأة أو إعادة فتح صمام خط «الشرارة»، مما يعكس غياب هيبة الدولة وعجز السلطات التنفيذية عن ردع هذه الجماعات الخارجة عن القانون.
وحذرت المؤسسة الوطنية للنفط مرارًا من تعذر وصول فرقها الفنية لصيانة وإصلاح الصمامات المعطوبة، مطالبة الجهات الأمنية والعسكرية بتحمل مسؤولياتها القانونية، مع التلويح بإعلان «القوة القاهرة» إذا استمر هذا التعنت الميليشيوي.
وتؤكد هذه المعطيات أن استمرار الأزمة الليبية مرتبط ارتباطًا وثيقًا بضرورة تفكيك الميليشيات المسلحة، وتحييد قطاع النفط عن الصراعات السياسية والمصلحية الضيقة، وفرض سيادة القانون لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من مقدرات البلاد.

