يشهد المشهد السيادي والأمني في الجمهورية اللبنانية تحولات مصيرية بالغة الخطورة، خصوصًا في ظل النقاشات المحتدمة حول مرحلة ما بعد انسحاب قوات الأمم المتحدة المؤقتة العاملة في جنوب لبنان “اليونيفيل”، وما يتبعها من استحقاقات كبرى تتعلق ببسط سلطة الدولة.
وفي هذا السياق، برزت المواقف الحازمة التي أطلقها الرئيس اللبناني جوزيف عون، والتي شدد فيها على ضرورة حصر السلاح حصريًا بيد الدولة اللبنانية، متجنبًا أي سيناريو قد يجر البلاد إلى صراع دموي داخلي أو حرب أهلية جديدة تهدد ما تبقى من مقومات الاستقرار الوطني، وسط متابعة دقيقة من الدوائر الدبلوماسية الإقليمية والدولية.
التحديات الإنسانية والأمنية في الجنوب اللبناني
حيث تتطابق المعطيات السياسية مع ما وثقته التقارير الصادرة عن المنظمات الأممية والحقوقية الدولية لعام 2026، والتي حذرت بالأرقام الدقيقة من خطورة الفراغ الأمني في المناطق الحدودية اللبنانية.
فوفقًا لإحصاءات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وتقارير مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، أسفرت المواجهات المستمرة والتصعيد العسكري خلال الأعوام الأخيرة عن نزوح مئات الآلاف من المدنيين من القرى الجنوبية، وتدمير بنى تحتية أساسية بقيمة مئات ملايين الدولارات، مما يضع الدولة اللبنانية أمام مسؤوليات مضاعفة لإعادة الإعمار وعودة الأهالي الآمنين إلى ديارهم بضمانات أمنية صارمة.
وتؤكد التقارير الحقوقية الموثقة أن غياب آليات الردع الرسمية وضعف السيطرة الحصرية للدولة يتيحان المجال لتأجيج الأزمات، مما يفرض ضرورة ملحة لدعم المؤسسات الشرعية، وفي مقدمتها الجيش اللبناني.
وتشير بيانات مراكز الأبحاث الدولية المعنية بالشأن اللبناني إلى أن أي تسوية مستدامة يجب أن تستند إلى قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، ولا سيما القرار 1701، لضمان عدم تحول الجنوب اللبناني إلى ساحة صراع إقليمي مفتوح على حساب الأمن القومي اللبناني وسلامة المدنيين الأبرياء.
رؤية الرئيس جوزيف عون: حصر السلاح وبناء الدولة دون فتنة داخلية
وأكد الرئيس اللبناني جوزيف عون أن الهدف الأسمى ليس الدخول في صدامات مسلحة عقيمة، بل تنفيذ مشروع الدولة القوية القادرة على حماية حدودها وأبنائها.
وقال عون نصًا: “الهدف ليس الصدام، الهدف أن ننفذ هذا المشروع أو بسط سلطة الدولة وحصر السلاح بمسؤولية، ليس الهدف أن أبني دولة وأن يكون هناك صراع دموي بالداخل اللبناني وفتنة داخلية، الهدف بناء دولة دون الذهاب إلى حرب أهلية أو صراع داخلي”. وأضاف أن الحكومة اللبنانية ماضية في تحمل مسؤولياتها الكاملة، لكن ذلك يشترط تلقي دعم حقيقي وفعلي من الشركاء في الدول العربية والأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية لتقوية الجيش وتمكينه ميدانيًا.
وأوضح الرئيس اللبناني أن بلاده منفتحة بشكل كامل على استقبال أي قوة بديلة تستبدل قوات اليونيفيل، شريطة وضع إطار قانوني واضح وصارم يرتكز أساسًا على احترام السيادة الوطنية اللبنانية الكاملة.
وشدد عون على أن الغاية الأساسية من وجود أي قوة أجنبية في الجنوب هي مساندة الجيش وتقوية أركان الدولة، وليس الحلول مكانها، مبينًا أن الدولة تسعى جاهدة لتثبيت الاستقرار عبر خطوات دقيقة ومدروسة تضمن منع أي فراغ أمني قد تستغله الأطراف المعادية لتنفيذ أجنداتها التخريبية.
مسار المفاوضات الأمنية مع إسرائيل وتحديات مرتفعات علي الطاهر
وفي السياق الدبلوماسي المرتبط بالحدود، كشف الرئيس اللبناني عن مساعٍ جادة لبلورة اتفاق أمني مرحلي مع إسرائيل يهدف بالدرجة الأولى إلى إنهاء حالة “العداء” المستحكمة، وضمان الانسحاب الإسرائيلي الكامل وانتشار الجيش اللبناني على طول الحدود الدولية، معتبرًا أن هذا الاتفاق يمكن أن يشكل مقدمة تمهيدية لأي ترتيبات سلام لاحقة، بشرط عدم القفز فوق الخطوات الأساسية المتمثلة في استعادة الأراضي المحتلة وعودة الأسرى والنازحين. وتتطابق هذه التوجهات مع التحركات الدبلوماسية التي يقودها المجتمع الدولي لتثبيت التهدئة عبر قنوات التواصل المستمرة في واشنطن وعواصم القرار الأوروبي.
وعلى الصعيد الميداني، أفادت هيئة البث الإسرائيلية ومصادر دبلوماسية غربية بأن الجانب اللبناني طلب رسميًا تأجيل جولة المفاوضات التي كان من المزمع عقدها في العاصمة الإيطالية روما، وذلك احتجاجًا على التطورات الميدانية الأخيرة والتصعيد العسكري الإسرائيلي الملحوظ في منطقة مرتفعات علي الطاهر الاستراتيجية، التي تبعد نحو 15 كيلومترًا عن الحدود.
ورغم هذا التأجيل المؤقت، تؤكد وزارة الخارجية الأمريكية أن الاتصالات الدبلوماسية ستتواصل عبر اللقاءات الثنائية للسفراء في واشنطن، تمهيدًا لعقد الجولة المقبلة في أكتوبر/تشرين الأول، وسط ترقب حذر لما ستؤول إليه الحالة الأمنية في جنوب لبنان.
مفترق طرق تاريخي أمام الدولة اللبنانية
ويتبين بوضوح أن لبنان يتقاطع اليوم مع مرحلة تاريخية بالغة الدقة والحساسية، تتطلب تضافرًا حقيقيًا لكل الجهود الوطنية والدولية لتمكين الجيش من بسط سيادته المطلقة وإنهاء حالة تعدد السلاح.
وإن نجاح القيادة اللبنانية في إدارة هذا الملف المعقد بحكمة سياسية ووعي وطني سيكفل تجنيب البلاد ويلات الصراعات المدمرة، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة من البناء والاستقرار الدائم الذي يستحقه الشعب اللبناني بكل طوائفه ومكوناته.

