مع اقتراب موعد الثلاثين من شهر سبتمبر الجاري، يعود ملف حصر السلاح بيد الدولة العراقية ليتصدر واجهة الأحداث السياسية والأمنية في البلاد، وسط تساؤلات حثيثة بشأن ما تم تحقيقه على أرض الواقع، وما إذا كان هذا الموعد سيشكل نقطة تحول حقيقية نحو تطبيق إجراءات قانونية صارمة، أم أنه سيكون مجرد محطة جديدة ضمن جولات التفاوض المستمرة مع الفصائل الرافضة للتخلي عن ترسانتها العسكرية.
وبينما تتمسك الحكومة المركزية بأن قرار السلم والحرب واستخدام القوة يجب أن يكون حصريًا بيد المؤسسات الرسمية للدولة، تكشف المعطيات الميدانية والمواقف السياسية عن أن خيار التسوية التدريجية يظل هو السيناريو الأكثر ترجيحًا، وذلك في ظل مخاوف جدية من أن يؤدي الانتقال الفوري إلى المواجهة المباشرة إلى تداعيات أمنية وسياسية واسعة النطاق تصعب السيطرة عليها.
أبعاد أزمة السلاح المنفلت والتقارير الدولية
وتشير تقارير صادرة عن بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) ومنظمات حقوقية دولية ومحلية وثقت وقائع الانتهاكات خلال الأعوام الماضية، إلى أن انتشار السلاح خارج إطار الدولة يمثل التهديد الأكبر للاستقرار وسيادة القانون وحقوق الإنسان في البلاد.
وبحسب الإحصاءات الرسمية الموثقة لـ يونامي ومنظمات المجتمع المدني، فإن آلاف الحوادث الأمنية المرتبطة بالنزاعات العشائرية والعمليات المسلحة غير المرخصة قد أدت إلى مقتل وإصابة مئات المدنيين سنويًا، فضلاً عن تقويض بيئة الاستثمار وعرقلة جهود التنمية الاقتصادية.
وفي هذا السياق، تؤكد التقارير الحقوقية الصادرة عن مفوضية حقوق الإنسان في العراق استمرار وقوع انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان ناجمة عن سطوة الجماعات المسلحة وفصائل الميليشيات التي تعمل بمنأى عن الرقابة القضائية والتنفيذية.
وقد دعت المنصات الحقوقية الأممية في تقارير دورية صدرت خلال النصف الأول من عام 2026 إلى ضرورة الإسراع في تفكيك البنى العسكرية الموازية، معتبرة أن احتكار الدولة للقوة هو المعيار الأساسي لمدى التزام بغداد بالاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان وحماية المواطنين من أعمال التعسف والترهيب المسلح.
خريطة الفصائل بين الإدماج والرفض
ومنذ تشكيلها، وضعت حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي ملف حصر السلاح بيد الدولة ضمن أولوياتها القصوى، في وقت ربطت فيه بعض القوى والفصائل المسلحة إنهاء وجودها العسكري المستقل بانتهاء مهمة التحالف الدولي وخروج القوات الأجنبية بالكامل من الأراضي العراقية.
ومع مضي الحكومة في تنفيذ ترتيبات إنهاء مهمة التحالف، تراجعت تدريجيًا قوة هذه الذريعة، لكن الخلاف لم ينتهِ تمامًا، إذ بقيت فصائل أخرى رافضة للتخلي عن سلاحها بشكل قاطع، بينما اتخذت فصائل أخرى خطوات عملية باتجاه تنظيم أوضاعها والتعامل الإيجابي مع المطالب الحكومية.
وبحسب مصادر سياسية مطلعة على شأن المفاوضات الجارية، فقد شهد الملف تقدمًا ملحوظًا مع فصائل من بينها سرايا السلام وعصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي، شمل تقديم بيانات تفصيلية وجرد الأسلحة ومناقشة خطوات تنظيمية تهدف إلى دمج العناصر ضمن المؤسسات الرسمية وهيئة الحشد الشعبي.
وأوضحت المصادر، أن القوى السياسية توافقت على أن تنظيم السلاح تحت غطاء الدولة يسهم بشكل مباشر في مكافحة الإرهاب وحماية السيادة الوطنية، مشيرة إلى أن الحوارات الآن تسير في اتجاه تسليم الأسلحة الثقيلة والمتوسطة إلى المؤسسة الحكومية المختصة.
وتتعدد الخيارات المتاحة أمام الحكومة العراقية للتعامل مع الفصائل الرافضة لمبدأ نزع السلاح، حيث يظل مسار التفاوض والتسوية السياسية هو الخيار الأقل كلفة والأكثر حضورًا على الطاولة.
وعلى الصعيد التشريعي والدستوري، تطرح تساؤلات حول إمكانية إعلان حالة الطوارئ كأداة تمنح الحكومة صلاحيات استثنائية أوسع، إلا أن الخبراء الدستوريين يستبعدون هذا الخيار في المرحلة الراهنة لعدم توفر التوافق السياسي اللازم في البرلمان، فضلاً عن غياب قانون متكامل ينظم صلاحيات الطوارئ وفق دستور عام 2005، مما يجعل الاعتماد على القوانين النافذة والحلول التفاضلية التدريجية هو المخرج الأكثر واقعية لضمان استقرار البلاد.
ويتصاعد التوتر في المشهد السياسي والأمني العراقي مع اقتراب الموعد المحدد لإنهاء ملف السلاح المنفلت، وسط تحديات هيكلية تواجهها الدولة في فرض سيادتها الكاملة.
وتشير التقارير الأممية والحقوقية الموثقة إلى أن استمرار الفصائل المسلحة خارج إطار المؤسسات الرسمية يمثل عائقاً رئيسياً أمام الاستقرار والتنمية.
وتسعى الحكومة العراقية عبر لجان تفاوضية مكثفة إلى إيجاد صيغة توازن دقيقة بين متطلبات الحفاظ على الأمن القومي، وتجنب أي مواجهة مسلحة قد تفضي إلى زعزعة الاستقرار الداخلي، ما يجعل هذه المرحلة منعطفًا حاسمًا في مسار بناء الدولة ومؤسساتها الدستورية.

