تبدو الطريق إلى تسوية سياسية تنهي الحرب في قطاع غزة أكثر تعقيدًا من مجرد التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، إذ تتداخل في المرحلة المقبلة ملفات شديدة الحساسية تبدأ بمصير سلاح حركة حماس، ولا تنتهي عند مستقبل الإدارة الفلسطينية للقطاع وإعادة إعمار ما دمرته الحرب.
وبينما تطرح الخطط المطروحة تصورًا يقوم على نزع السلاح، وانسحاب إسرائيلي تدريجي، وبدء عملية إعادة الإعمار، تصطدم هذه المسارات بخلافات عميقة حول ترتيب الخطوات وضمانات التنفيذ.

فكل طرف يريد الحصول على التزام من الطرف الآخر قبل تقديم تنازلات نهائية، ما يجعل الانتقال من الهدنة إلى التسوية السياسية الكاملة مهمة شديدة الصعوبة.
السلاح مقابل الانسحاب.. من يقدم التنازل أولًا؟
ويبقى ملف السلاح العقدة الأكثر حساسية في أي اتفاق بشأن مستقبل غزة، فإسرائيل تتمسك بنزع سلاح حماس بصورة كاملة قبل استكمال الانسحاب، بينما ترى الحركة أن التخلي عن قدراتها العسكرية يجب أن يتزامن مع وقف العمليات والانسحاب الإسرائيلي وضمان عدم استئناف الحرب.
وتكمن المشكلة هنا في غياب الثقة المتبادلة. فبالنسبة إلى حماس، فإن تسليم السلاح دون ضمانات واضحة قد يترك القطاع مكشوفًا أمام عمليات عسكرية جديدة، بينما ترى إسرائيل أن أي انسحاب قبل تفكيك القدرات العسكرية للحركة قد يسمح بإعادة بناء بنيتها المسلحة.
وفي المقابل، تشير مواقف الحركة خلال المفاوضات إلى استعدادها لمناقشة ترتيبات تتعلق بالسلاح، بما في ذلك التخزين أو التسليم، والتحول إلى العمل السياسي، مع إمكانية عدم المشاركة في إدارة القطاع بصورة مباشرة، لكن هذه التنازلات تظل مرتبطة بالحصول على ضمانات بشأن وقف الحرب، وحماية المدنيين، وإدخال المساعدات، وفتح الطريق أمام إعادة الإعمار.

وتزداد الأزمة تعقيدًا مع استمرار العمليات العسكرية، إذ يصبح من الصعب الانتقال إلى مرحلة سياسية بينما ما تزال المعارك والضربات قائمة، كما أن استمرار السيطرة الإسرائيلية على مساحات واسعة من القطاع يضع أي حديث عن انسحاب شامل أمام اختبار عملي بالغ الصعوبة.
الإعمار والتهجير.. معركة ما بعد الحرب
لا يمثل ملف الإعمار مجرد مرحلة اقتصادية تالية للحرب، بل أصبح جزءًا من الصراع السياسي نفسه. فإسرائيل تربط إعادة إعمار غزة بنزع سلاح حماس، في حين تعتبر الأطراف الفلسطينية والدولية أن إعادة بناء القطاع وتوفير المساعدات الإنسانية عنصران أساسيان لتثبيت أي وقف لإطلاق النار.
وتواجه خطط الإعمار كذلك أزمة تمويل حقيقية، في ظل ضخامة حجم الدمار والحاجة إلى مليارات الدولارات لإعادة تأهيل المنازل والبنية التحتية وشبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي.
كما تظل مسألة الجهة التي ستدير الأموال والمشروعات ومن يملك القرار داخل القطاع من أكثر الملفات تعقيدًا.
وفي الوقت نفسه، يطرح تيار اليمين الإسرائيلي تصورًا أكثر تطرفًا لمستقبل غزة، يقوم على دفع أعداد كبيرة من الفلسطينيين إلى مغادرة القطاع تحت مسمى “الهجرة الطوعية”.
ومن أبرز هذه الطروحات خطة أعدها وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، تستهدف تهجير نحو 1.86 مليون فلسطيني خلال سبع سنوات، بما يعادل أكثر من 80% من سكان القطاع.
وتتضمن الخطة المقترحة توفير دول تستقبل المغادرين، إلى جانب تمويل السكن والتدريب والعمل، لكنها تصطدم بعقبة أساسية تتمثل في عدم وجود دول مستعدة لاستقبال هذه الأعداد.
كما أن وصف الخروج بأنه “طوعي” لا يحسم الجدل القانوني والسياسي حوله، خصوصًا إذا ارتبطت المغادرة بظروف الحرب والدمار والحصار وغياب مقومات الحياة.

