ذات صلة

جمع

من السرية إلى المساءلة.. كيف يمكن للقانون الإيطالي تفكيك شبكات نفوذ الإخوان؟

لم يعد خطر جماعة الإخوان المسلمين مرتبطًا فقط بتاريخها...

الحوثيون في قبضة الدعم الإيراني.. أسلحة وتهريب وصواريخ تهدد أمن اليمن والمنطقة

تمثل جماعة الحوثي الإرهابية ذراعًا تخريبيةً خبيثةً تعمل على...

إيران تحت ضغط مزدوج.. حرب أنهكت الاقتصاد وريال يفتح الطريق أمام احتجاجات جديدة

بعد ستة أشهر من الحرب، تبدو إيران أمام مشهد أكثر تعقيدًا من مجرد مواجهة عسكرية مع خصومها، فالصراع الذي دخل البلاد في واحدة من أصعب مراحلها خلال السنوات الأخيرة ترك آثارًا عميقة على الاقتصاد والمجتمع، بينما تتراجع قدرة المواطنين على تحمل أعباء المعيشة وتتسع حالة القلق من المستقبل.

حرب أنهكت إيران.. والأمل يتحول إلى يأس

وعند اندلاع الحرب، رأى بعض الإيرانيين المعارضين للنظام في الضربات العسكرية فرصة لحدوث تغيير سياسي طال انتظاره، باعتقاد أن الضغط الخارجي قد يؤدي إلى إضعاف مؤسسات السلطة أو دفعها إلى تقديم تنازلات كبيرة، لكن مرور ستة أشهر أظهر أن إسقاط النظام بالقوة العسكرية لم يكن سيناريو سهل التحقق، بينما بقيت آثار الحرب حاضرة في حياة المواطنين اليومية.

الاقتصاد الإيراني يدفع ثمن الحرب

حيث كان الاقتصاد الإيراني يعاني ضغوطًا كبيرة حتى قبل اندلاع الحرب، إلا أن استمرار الصراع والعقوبات والقيود الاقتصادية زاد من حجم الأزمة، حيث تشير البيانات الواردة في التقرير إلى وصول التضخم إلى 84% وفق ما أُعلن عن البنك المركزي الإيراني، وهو رقم يعكس حجم الضغط الذي تواجهه الأسر الإيرانية في ظل الارتفاع المتواصل للأسعار.

وأصبحت المواد الغذائية في مقدمة القطاعات المتضررة، مع ارتفاع أسعار السلع الأساسية بصورة متكررة، الأمر الذي دفع بعض المواطنين إلى شراء وتخزين المواد الغذائية تحسبًا لمزيد من الارتفاعات، ولا تتوقف الأزمة عند أسعار الغذاء، إذ تمتد إلى الوقود والنقل والخدمات والسلع المستوردة، ما يجعل انخفاض قيمة العملة عاملًا إضافيًا في زيادة الضغوط على المواطنين.

انهيار الريال يضاعف معاناة الإيرانيين

ويمثل الريال الإيراني أحد أبرز مؤشرات الأزمة الاقتصادية التي تواجهها البلاد، بعدما تراجعت قيمته بصورة حادة أمام الدولار، ووفق المعطيات الواردة في التقرير، وصل سعر الدولار إلى نحو مليوني ريال إيراني خلال الأيام الأخيرة، وهو تراجع ينعكس بصورة مباشرة على أسعار السلع المستوردة وعلى تكاليف المعيشة، فكلما فقدت العملة المحلية جزءًا من قيمتها، ارتفعت تكلفة الاستيراد، وانتقلت الزيادة إلى الأسواق والمستهلكين، خصوصًا في اقتصاد يعتمد على استيراد جزء من احتياجاته الأساسية.

وتعني هذه التطورات أن المواطن الإيراني أصبح يدفع ثمن الأزمة أكثر من مرة؛ مرة نتيجة التضخم، ومرة بسبب تراجع العملة، ومرة ثالثة نتيجة تداعيات الحرب والقيود الاقتصادية.

أسعار الغذاء تشعل القلق داخل الشارع الإيراني

تتزايد المخاوف داخل المجتمع الإيراني من استمرار ارتفاع أسعار المواد الغذائية، خاصة مع تراجع قيمة الرواتب أمام موجة التضخم، وتشير شهادات مواطنين إلى أن بعض الأسر بدأت في تقليص نفقاتها غير الأساسية، بينما تخلت أسر أخرى عن أنماط حياة كانت تعتبر طبيعية قبل تفاقم الأزمة، وأصبح شراء الطعام وتخزينه مصدر قلق متزايد لدى المواطنين، مع مخاوف من ارتفاع الأسعار خلال الفترة المقبلة أو حدوث اضطرابات في سلاسل الإمداد، وتوضح هذه التطورات أن الأزمة الاقتصادية لم تعد مجرد أرقام تصدرها المؤسسات الرسمية، وإنما تحولت إلى أزمة معيشية يشعر بها المواطن في الأسواق والمنازل وأماكن العمل.

الوقود.. أزمة جديدة تلوح في الأفق

يزيد ملف الوقود من الضغوط على الحكومة الإيرانية، في ظل مخاوف المواطنين من تقليص الدعم الحكومي المقدم للبنزين أو رفع أسعاره، وشهدت بعض محطات الوقود طوابير طويلة مع اتجاه مواطنين إلى ملء خزانات سياراتهم تحسبًا لأي زيادة محتملة.

ويحمل هذا الملف حساسية استثنائية داخل إيران، بعدما ارتبطت زيادات سابقة في أسعار البنزين باحتجاجات واسعة، كان أبرزها ما حدث عام 2019، ولهذا فإن أي قرار جديد يتعلق بالدعم أو الأسعار يمكن أن يتحول إلى عامل إضافي في إشعال الغضب الشعبي، خصوصًا إذا جاء في وقت يعاني فيه المواطنون بالفعل من التضخم وتراجع قيمة العملة.

تشدد أمني.. والنظام يواجه معارضيه بالقوة

ولم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الاقتصادي، إذ تتحدث الشهادات الواردة من داخل إيران عن تشدد أكبر في التعامل مع الأصوات المعارضة، وتشير المعطيات إلى أن السلطات اتخذت إجراءات أكثر صرامة تجاه المعارضين، بالتزامن مع استمرار الملاحقات والاعتقالات والإعدامات بحق سجناء سياسيين، بحسب ما ورد في التقرير، ويضع هذا الواقع النظام الإيراني أمام معادلة صعبة؛ فكلما ارتفعت الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، زادت الحاجة إلى احتواء الغضب الشعبي، بينما يؤدي التشدد الأمني إلى توسيع الفجوة بين السلطة وقطاعات من المجتمع.

هل تقترب إيران من موجة احتجاجات جديدة؟

مع استمرار تدهور الأوضاع الاقتصادية، تتزايد المخاوف من عودة الاحتجاجات إلى الشارع الإيراني، وتربط شهادات من داخل البلاد بين تراجع قيمة الريال وارتفاع الأسعار واحتمالات اندلاع موجة جديدة من الاحتجاجات، خصوصًا إذا اتخذت الحكومة قرارات إضافية تتعلق بالوقود أو الدعم، وتبقى تجربة احتجاجات 2019 حاضرة في الحسابات الإيرانية، عندما أدى رفع أسعار البنزين إلى اندلاع احتجاجات واسعة واجهتها السلطات بقوة، وتبدو المعادلة الحالية أكثر تعقيدًا، لأن الضغوط الاقتصادية تأتي هذه المرة في ظل تداعيات حرب وعقوبات وأزمة ثقة متزايدة، ما يجعل أي شرارة اقتصادية قابلة للتحول إلى غضب سياسي أوسع.

الحرب لم تحقق الهدف الذي انتظره المعارضون

وتكشف التطورات أن الرهان على الحرب وحدها لإحداث تغيير سياسي داخل إيران لم يتحقق بالشكل الذي توقعه بعض المعارضين، فالنظام، رغم تعرضه لضغوط عسكرية واقتصادية شديدة، تمكن من الحفاظ على بنيته السياسية والأمنية، بينما انتقلت كلفة المواجهة إلى المجتمع والاقتصاد، لكن بقاء النظام لا يعني انتهاء الأزمة، إذ إن تراجع قيمة العملة وارتفاع التضخم وتآكل القوة الشرائية تمثل تحديات طويلة الأمد يصعب احتواؤها بمجرد الإجراءات الأمنية، وهنا تكمن المفارقة، فقد تنجح السلطة في احتواء احتجاجات لفترة، لكنها لن تستطيع معالجة جذور الغضب إذا استمرت الأزمة الاقتصادية في دفع المواطنين نحو مزيد من الفقر والقلق.

تدخل إيران مرحلة جديدة يصبح فيها الاقتصاد أحد أخطر التحديات أمام النظام، بالتوازي مع تداعيات الحرب والضغوط الخارجية وتصاعد التوتر الداخلي، فالشارع الذي يعاني من ارتفاع الأسعار وتراجع قيمة العملة لن يظل بعيدًا عن السياسة إلى ما لا نهاية، خصوصًا إذا تراجعت قدرة الدولة على توفير الاحتياجات الأساسية أو اضطرت إلى اتخاذ إجراءات اقتصادية أكثر قسوة، وفي المقابل، فإن استمرار النهج الأمني وحده قد يؤجل الانفجار ولا يعالج أسبابه، بينما تحتاج الأزمة إلى حلول اقتصادية وسياسية قادرة على إعادة بناء الثقة ومعالجة جذور الاحتقان، وبعد نصف عام من الحرب، تبدو الصورة أكثر وضوحًا، إيران لم تخرج من المواجهة منهارة سياسيًا، لكنها خرجت أكثر إنهاكًا اقتصاديًا، وأكثر توترًا اجتماعيًا، وأمام مجتمع تتآكل قدرته على تحمل الأزمات.

ومع استمرار التضخم وتراجع الريال وارتفاع تكاليف الحياة، يصبح السؤال الأصعب أمام النظام الإيراني ليس فقط كيف يواجه خصومه في الخارج، وإنما كيف يستطيع احتواء الغضب المتراكم في الداخل.