لم تعد أزمة الوقود في ليبيا مجرد مشكلة مرتبطة بنقص البنزين أو طول طوابير السيارات أمام محطات التوزيع، بل أصبحت انعكاسًا مباشرًا لأزمة أعمق تضرب الدولة الليبية، وتكشف كيف يمكن للانقسام السياسي وتغلغل الجماعات المسلحة وشبكات التهريب أن يحولوا الثروة النفطية إلى مصدر استنزاف مستمر للخزانة العامة.
وفي مدينة أوباري جنوب ليبيا، اختصر أحد المواطنين حجم الأزمة في مشهد ساخر لكنه شديد الدلالة، عندما ظهر وهو يتنقل على ظهر جمل بعد أن عجز عن الحصول على الوقود لسيارته، بينما اصطفت السيارات أمام المحطات لأيام بحثًا عن البنزين، فالمفارقة أن ليبيا دولة نفطية، وتمتلك موارد ضخمة تمكنها نظريًا من توفير احتياجات مواطنيها من المحروقات بسهولة، لكن الواقع يكشف أزمة مختلفة تمامًا، فكلما ارتفعت فاتورة استيراد الوقود، ازدادت شكاوى المواطنين من نقصه وارتفاع أسعاره في السوق الموازية.
أزمة الوقود في ليبيا.. عندما يتحول الدعم إلى فرصة للتهريب
تدور الأزمة في جزء كبير منها حول نظام دعم الوقود، إذ يباع اللتر بالسعر الرسمي المدعوم الذي لا يتجاوز 0.150 دينار ليبي، بينما يمكن أن يصل سعره في السوق الموازية إلى أضعاف هذا الرقم، حيث إن هذا الفارق الهائل بين السعر الرسمي والسعر غير الرسمي خلق حافزًا اقتصاديًا ضخمًا لشبكات التهريب، التي تستطيع شراء الوقود المدعوم ثم إعادة بيعه داخل السوق السوداء أو تهريبه إلى خارج البلاد لتحقيق أرباح كبيرة.
وبحسب تقرير فريق خبراء الأمم المتحدة الصادر في مارس الماضي، تحول تهريب الوقود إلى منظومة تمويل ضخمة تسيطر عليها نخبة مسلحة، مع تقديرات تشير إلى تهريب نحو 40% من الوقود المدعوم، وهنا تظهر واحدة من أخطر مفارقات الاقتصاد الليبي؛ فالدولة تنفق مليارات الدولارات لاستيراد المحروقات، بينما تختفي كميات كبيرة من الوقود المدعوم من السوق الرسمية، ويجد المواطن نفسه مضطرًا إلى شراء المادة نفسها بأسعار مرتفعة من السوق الموازية.
أكثر من مليار دولار شهريًا.. أين يذهب الوقود الليبي؟
تؤكد البيانات الواردة في التقرير أن فاتورة استيراد المحروقات تجاوزت مليار دولار خلال شهر يوليو الماضي، في وقت تعاني فيه مدن ليبية من نقص الوقود وطوابير طويلة أمام محطات التوزيع، ويطرح هذا الرقم سؤالًا جوهريًا حول كفاءة منظومة توزيع المحروقات، خصوصًا أن ليبيا لا يتجاوز عدد سكانها نحو 7.5 مليون نسمة، بينما لا توجد لديها قاعدة صناعية ضخمة تفسر وحدها هذا المستوى المرتفع من الاستهلاك.
ويرى خبراء أن تضخم فاتورة الاستيراد مقارنة بعدد السكان يمثل مؤشرًا مهمًا على وجود خلل في منظومة التوزيع، وعلى اتساع نشاط التهريب عبر الحدود البرية والبحرية، ولا تكمن خطورة الأمر في خسارة الوقود فقط، وإنما في الأموال التي تتحملها الدولة مقابل استيراده، إذ إن استمرار الفاتورة الشهرية عند مستويات تتجاوز مليار دولار يمكن أن يضغط بقوة على الميزانية العامة والاحتياطيات الأجنبية.
ليبيا تدفع ثمن الانقسام السياسي
لا يمكن فصل أزمة الوقود عن الأزمة السياسية والأمنية التي تعيشها ليبيا منذ سنوات، فالبلاد لا تزال منقسمة بين حكومتين ومراكز نفوذ متعددة، مع استمرار التنافس بين القوى الموجودة في الغرب والشرق، وتداخل السلطات السياسية مع التشكيلات الأمنية والعسكرية والجماعات المسلحة.
هذا الواقع جعل إدارة الموارد العامة أكثر تعقيدًا، وفتح مساحات واسعة أمام شبكات المصالح والتهريب للعمل بعيدًا عن منظومة رقابة موحدة، حيث يرى خبراء في الشأن الليبي أن المسؤولية لا تتعلق بطرف جغرافي واحد، وإنما تمتد إلى مستويات سياسية وأمنية مختلفة، في ظل غياب آلية وطنية موحدة قادرة على تتبع حركة الوقود منذ لحظة استيراده وحتى وصوله إلى المستهلك.
من أوباري إلى الزاوية.. السوق السوداء تكشف عمق الأزمة
وتختلف أسعار الوقود في السوق الموازية من مدينة إلى أخرى، لكنها تكشف في جميع الحالات اتساع الفجوة بين السعر المدعوم والسعر الذي يدفعه المواطن عندما يعجز عن الحصول على الوقود رسميًا، وفي أوباري، استمر نقص البنزين لأكثر من 12 يومًا، بينما وصل سعر اللتر في السوق الموازية إلى نحو 10 دنانير. أما في الزاوية، الواقعة على مسافة نحو 50 كيلومترًا غرب طرابلس، فقد اضطر مواطنون إلى شراء اللتر بنحو 15 دينارًا، أي ما يقرب من مائة ضعف السعر الرسمي، هذه الفجوة السعرية الهائلة تجعل تهريب الوقود نشاطًا شديد الربحية، وتفسر في الوقت نفسه لماذا تتحول المادة المدعومة إلى سلعة نادرة داخل محطات الوقود، رغم الإنفاق الحكومي الضخم على استيرادها.
12 مليار دولار.. فاتورة تهدد الاقتصاد الليبي
تزداد المخاطر الاقتصادية مع استمرار ارتفاع تكلفة استيراد المحروقات، وبحسب التقديرات الواردة في التقرير، قد تتجاوز عائدات النفط الليبية 40 مليار دولار بنهاية العام الحالي، لكن استمرار النهج الحالي قد يدفع الدولة إلى إنفاق أكثر من 12 مليار دولار على واردات المحروقات خلال العام. وهذا يعني أن جزءًا ضخمًا من الإيرادات النفطية يمكن أن يذهب مجددًا إلى تمويل استيراد الوقود، بدلًا من توجيهه إلى مشروعات التنمية أو تحسين الخدمات العامة أو بناء البنية التحتية.
وتصبح المشكلة أكثر تعقيدًا عندما يستحوذ التهريب على نسبة كبيرة من الوقود المدعوم، لأن الدولة تتحمل تكلفة الاستيراد والدعم، بينما تذهب الأرباح إلى شبكات السوق الموازية.
ارتفاع فاتورة المحروقات بنسبة 60%
تشير البيانات الاقتصادية الواردة في التقرير إلى ارتفاع فاتورة استيراد المحروقات من نحو 880 مليون دولار في مارس الماضي إلى أكثر من مليار دولار خلال الشهرين التاليين، بزيادة تقدر بنحو 60%، ويشير هذا التصاعد إلى أن الأزمة لا تتجه نحو الانحسار، بل تتحول إلى عبء متزايد على المالية العامة. كما أظهرت بيانات ديوان المحاسبة لعام 2024 استحواذ الشركة العامة للكهرباء ومصانع الأسمنت وبعض الجهات الأمنية على نحو 50% من إجمالي المحروقات، فيما بلغت حصة هذه الجهات من استهلاك الديزل نحو 78%.
وتكشف هذه الأرقام عن ضرورة إعادة النظر في منظومة الاستهلاك والتوزيع، وعدم اختزال المشكلة في المواطن الذي يقف لساعات أمام محطات الوقود.
الميليشيات وشبكات التهريب.. اقتصاد موازٍ ينهك الدولة
تكمن الخطورة الأكبر في أن تهريب الوقود لا يعمل بمعزل عن البيئة الأمنية والسياسية المضطربة في ليبيا، ففي ظل انتشار السلاح وتعدد مراكز القوة، يمكن لشبكات التهريب الاستفادة من ضعف الرقابة على الحدود والموانئ والطرق، وتحويل الدعم الحكومي إلى مصدر أرباح ضخمة.
ومع مرور الوقت، تتحول هذه الشبكات إلى اقتصاد موازٍ يمتلك مصالح مباشرة في استمرار الفوضى، لأن أي إصلاح حقيقي لمنظومة الدعم والرقابة يمكن أن يهدد مصادر أرباحها. ولهذا فإن مكافحة تهريب الوقود لا تتطلب فقط تعديل الأسعار، وإنما تحتاج إلى مواجهة البنية التي تحمي عمليات التهريب، وتجفيف مصادر تمويل الجماعات والشبكات المسلحة المستفيدة من هذه التجارة.
هل رفع الدعم هو الحل؟
يطرح ملف رفع الدعم نفسه باعتباره أحد الخيارات المطروحة لمعالجة التشوهات الاقتصادية، لكن رفع الدعم بصورة مفاجئة قد يخلق أزمة اجتماعية جديدة، خصوصًا أن الوقود الرخيص يمثل أحد أهم عناصر الدعم التي يعتمد عليها المواطن الليبي. ولهذا يرى خبراء أن الإصلاح يجب أن يبدأ بإغلاق منافذ التسرب والتهريب، ثم الانتقال بصورة تدريجية إلى نظام أكثر استهدافًا للدعم.
ومن بين الحلول المطروحة التحول من الدعم السلعي إلى دعم نقدي مباشر للأسر، بما يضمن وصول المساعدة إلى المواطن بدلًا من تسربها إلى شبكات التهريب، لكن نجاح هذا الخيار يتوقف على وجود قاعدة بيانات دقيقة وآلية مالية شفافة تمنع التلاعب وتضمن وصول التعويضات إلى مستحقيها.
الحل يبدأ من تتبع كل لتر وقود
من أكثر المقترحات أهمية إنشاء منظومة رقمية متكاملة تستطيع تتبع رحلة الوقود منذ لحظة وصوله إلى الميناء وحتى وصوله إلى محطة التوزيع ثم إلى المواطن، هذه المنظومة يمكن أن تكشف الكميات التي تدخل البلاد، ومواقع تخزينها، والكميات التي يجري توزيعها، والجهات التي تحصل عليها، وأي نقطة يحدث عندها الاختفاء أو التسرب.
كما تحتاج الدولة إلى تشديد الرقابة على الحدود، وتغليظ العقوبات المتعلقة بتهريب المحروقات، ومراقبة الأساليب الجديدة التي تستخدمها شبكات التهريب، بما في ذلك التعديلات التي تجرى على بعض الشاحنات لإخفاء كميات كبيرة من الوقود.
ليبيا أمام معركة تتجاوز أزمة البنزين
تكشف أزمة الوقود في ليبيا أن المشكلة أكبر بكثير من طوابير السيارات أو ارتفاع أسعار البنزين في السوق السوداء، فالدولة التي تمتلك ثروة نفطية ضخمة تجد نفسها أمام فاتورة استيراد تتجاوز مليار دولار شهريًا، بينما يعاني مواطنوها من نقص الوقود وارتفاع أسعاره في السوق الموازية. وهذه المفارقة تعكس خللًا في إدارة الموارد، وتداخلًا بين الأزمة السياسية والاقتصادية والأمنية، فضلًا عن استفادة شبكات التهريب والجماعات المسلحة من استمرار الفوضى. وبالتالي، فإن إنهاء أزمة الوقود لن يتحقق بمجرد زيادة الكميات التي تضخها الشركات، لأن المشكلة الأساسية تكمن في مسار الوقود بعد دخوله منظومة الدولة.
فإذا بقيت الرقابة ضعيفة، واستمر الانقسام السياسي، وظلت الحدود ومنافذ التهريب خارج السيطرة الفعالة، فإن زيادة الاستيراد قد تعني ببساطة زيادة الأموال التي تنزف من الخزانة العامة.

