في خضم أزمة إنسانية تُصنف دولياً كواحدة من أكبر المآسي البشرية في العالم، يواجه السودان منعطفًا تاريخيًا حرجًا يتسم بتعنت القيادة العسكرية برئاسة عبد الفتاح البرهان ورفضها الانصياع للمطالب الدولية بوقف إطلاق النار، وبدلاً من الانخراط في مسارات تسوية سياسية تحقن دماء المدنيين، اتجهت السلطة العسكرية إلى استراتيجية “التعبئة الداخلية” عبر شيطنة المجتمع الدولي وتصوير العقوبات الخارجية كأداة لـ”تركيع السودان”.
هذا الخطاب، الذي يفتقر لأي أساس منطقي، يغفل عمدًا الكلفة الإنسانية الباهظة للحرب، ويسعى جاهدًا لإعادة تدوير شعارات قديمة من حقبة النظام السابق، متجاهلاً حقيقة أن الشعب السوداني بات يدرك أن استمرار هذا النزاع ليس إلا محاولة مستميتة للحفاظ على مكتسبات سياسية لتنظيمات متطرفة فقدت مشروعيتها الشعبية منذ زمن طويل.
توظيف العقوبات وتفكيك خطاب “المؤامرة”
ويرى محللون سياسيون أن لجوء البرهان إلى الترويج لفكرة “الأعداء الخارجيين” ليس إلا محاولة مكشوفة لتجنب المساءلة حول المسؤولية المباشرة عن إطالة أمد الحرب.
ففي خطاباته المتكررة، يحرص قائد الجيش على استخدام مفردات التصعيد والمواجهة، مؤكدًا أن الحل العسكري هو الخيار الأوحد، وهو نهج لا يخدم سوى أجندات تيار “الإخوان المسلمين” في السودان، الذين يخشون أن تؤدي أي تسوية سياسية إلى كشف ملفاتهم وإخضاعهم للمساءلة القانونية.
إن محاولة تصوير العقوبات الدولية كاستهداف للسودان، بينما هي في الواقع تضغط على الأطراف المسؤولة عن إطالة أمد الصراع، تعد مغالطة سياسية تهدف إلى حشد قاعدة شعبية وهمية حول المؤسسة العسكرية، في وقت يعاني فيه ملايين المواطنين من فقدان أدنى مقومات الحياة.
المسؤولية الجنائية.. ما وراء العقوبات السياسية
ولا تقتصر تداعيات الحرب على الضغوط الدبلوماسية، بل تمتد لتشمل ملاحقات قضائية دولية محتملة، حيث تشير تقارير حقوقية إلى أن ملفات انتهاكات حقوق الإنسان في السودان باتت تحت مجهر المحكمة الجنائية الدولية، خاصة في ظل تقارير تفيد باستخدام أسلحة محظورة دوليًا خلال العمليات العسكرية.
إن الحديث عن عقوبات شخصية ضد البرهان وطاقمه العسكري، بما في ذلك قيادات مثل ياسر العطا، لم يعد مجرد تكهنات، بل أصبح مسارًا دوليًا متصاعدًا يهدف إلى تحميل المسؤولين عن ارتكاب المجازر ضد المدنيين وزر تصرفاتهم.
إن إصرار هذه القيادات على خيار الحرب يعمق من عزلتهم الدولية ويضعهم أمام خيار واحد، إما الانصياع للعدالة الدولية أو مواجهة مصير المحاسبة التي تفرضها القوانين والأعراف الدولية على جرائم الحرب.
وقالت مصادر: إن الخطاب الذي يتبناه الجيش اليوم ليس خطاب مؤسسة عسكرية وطنية تحمي حدود البلاد، بل هو خطاب “أيديولوجي” يسعى لتحويل السودان إلى ساحة صراع مفتوح، مما يجعل من تحقيق العدالة الانتقالية وبناء دولة المؤسسات هدفًا بعيد المنال في ظل استمرار هيمنة هذه الذهنية على القرار العسكري.
إجهاض المبادرات الدولية.. إرادة السلام في مهب الريح
رغم الجهود الأمريكية والدولية الحثيثة لإيقاف الحرب، تظل مواقف البرهان “المتصلبة” العقبة الرئيسية أمام أي تقدم ملموس. إن ربط مصير البلاد بمصير جماعات متطرفة ترفض السلام أدى إلى إجهاض كافة المبادرات السابقة، مما خلق حالة من الإحباط لدى المجتمع الدولي والوساطات الإقليمية.
كما أن هذا “الانحدار الكبير” في مسار إيقاف الحرب يعكس هيمنة عقلية “المؤامرة” على تفكير القيادة العسكرية، التي ترى في أي سلام حقيقي تهديدًا لوجودها السياسي، ومن هنا، يبرز السؤال الجوهري، هل ما يزال البرهان يملك سلطة القرار، أم أن القرار بات رهينة لمصالح الحركة الإسلامية التي تدرك أن السلام يعني نهاية مشروعها السياسي؟
وترى مصادر، أن العقوبات الدولية المفروضة لا تمثل عقابًا للشعب السوداني، بل هي انتصار للعدالة وتحديد لهوية المتسبب في هذه الكارثة وإن هذه الإجراءات، وإن بدت قاسية على المدى القريب، إلا أنها تساهم في كشف طبيعة الأطراف التي تختطف قرار الدولة، وتجردها من الشرعية التي تدعيها.
إن الشعب السوداني اليوم، بوعيه وقدرته على الصمود، يتطلع إلى اليوم الذي يتم فيه كشف كافة الحقائق ومحاسبة كل من ساهم في إشعال هذه الحرب وإن العقوبات، في نهاية المطاف، هي أداة لتعزيز مطالب الشعب السوداني في الحرية والعدالة، وهي رسالة واضحة بأن زمن “الإفلات من العقاب” قد ولى، وأن مستقبل السودان لا يمكن أن يُبنى على أنقاض الدمار والخطاب المتطرف، بل على أسس المواطنة والقانون.

