تتصاعد حدة التوتر السياسي والأمني بين واشنطن ولندن على خلفية استمرار الموقف البريطاني المتساهل تجاه جماعة الإخوان، في وقت تقود فيه الولايات المتحدة حملة دولية واسعة لتجفيف منابع تمويل التطرف وحظر الواجهات الوهمية.
وفي هذا السياق، سلط تقرير مطول نشرته مجلة “ذا سبيكتاتور” البريطانية، أعده المفوض السابق لمكافحة التطرف روبن سيمكوكس، الضوء على الهوة الواسعة بين الاستراتيجية الأمريكية المتشددة والتردد المؤسسي البريطاني في تصنيف الجماعة منظمة إرهابية.
إن استمرار لجوء شبكات التنظيم إلى الأراضي البريطانية كقاعدة آمنة لممارسة أنشطتها تحت غطاء الجمعيات الخيرية والواجهات المدنية، يضع الحكومة البريطانية أمام اختبار حقيقي لمصداقيتها في حماية الأمن القومي الأوروبي ومواجهة التهديدات العابرة للحدود.
العقوبات الأمريكية العابرة للحدود.. حصار مالي وقانوني يضرب عقر دار لندن
شهدت الفترة الأخيرة تحولات دراماتيكية تمثلت في فرض وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات غير مسبوقة على قيادات بارزة في شبكة الإخوان المقيمة بالعاصمة البريطانية لندن، فقد استهدفت العقوبات القيادي الإخواني البارز محمود الإبياري، الذي توثق التقارير تاريخه الطويل في شغل مناصب قيادية بالعالم العربي والأمانة العامة للجماعة، إضافة إلى فرض عقوبات مماثلة على شخصيات مرتبطة بجمعيات واجهة تقدم الدعم المالي والعسكري لحركة حماس، مثل زاهر بيراوي وماجد الزير المقيم في ألمانيا.
وتؤكد الدوائر الأمريكية، أن هذه الكيانات تستغل القوانين الأوروبية المرنة المتعلقة بالعمل الخيري لإخفاء تدفق الأموال وتمويل الأنشطة المتطرفة. وعلى الرغم من هذه المعطيات الاستخباراتية الدقيقة، تواصل المؤسسات البريطانية، مثل مفوضية المؤسسات الخيرية، التردد في اتخاذ إجراءات جذرية، مكتفية بتحقيقات شكلية لم تفلح في كشف الشبكات المعقدة التي تديرها الجماعة بعيدًا عن الرقابة الأمنية الصارمة.
إخفاقات استراتيجيات مكافحة التطرف.. تقارير استخباراتية تكشف المستور
تطرق تقرير “ذا سبيكتاتور” إلى الإخفاقات الهيكلية المتراكمة في سياسات مكافحة التطرف داخل المملكة المتحدة، مشيراً إلى أن الحكومات المتعاقبة تعاملت مع جماعة الإخوان باعتبارها “صداعًا سياسيًا” عابرًا تتمنى زواله، بدلاً من اعتبارها تهديدًا استراتيجيًا متكاملاً.
ورغم المراجعات المهمة التي قدمها السير جون جينكينز والراحل تشارلز فار عام 2014 بطلب من رئيس الوزراء الأسبق ديفيد كاميرون والتي أثبتت ارتباط جماعات مثل “إنتر بال” بشبكة التمويل الإخوانية، إلا أن غياب الإرادة السياسية حال دون تحويل تلك النتائج إلى تشريعات مستدامة.
وتجدر الإشارة إلى أن استراتيجية مكافحة الإرهاب الأمريكية الصادرة في مايو 2026 قد حذرت بوضوح من النفوذ المستمر للإخوان، معتبرة إياهم “الجد الأكبر” لكل الحركات الجهادية الحديثة، وهو ما يعزز الانتقادات الموجهة لبريطانيا لكونها سمحت لهذه الشبكات بالترسخ لمجرد أنها لا تنفذ تفجيرات مباشرة في الشوارع البريطانية.
الضغوط السياسية والتشريعية.. هل تستجيب لندن للرؤية الأمريكية الشاملة؟
تجد الحكومة البريطانية نفسها اليوم في مأزق حقيقي تفرضهُ التوقعات الأمريكية باتخاذ خطوات عملية تتجاوز مجرد الاعتقالات المحدودة، مثل القبض على مشتبه بهم في تمويل الإرهاب وتسليمهم للقضاء الأمريكي، وفي ظل دعوات المراقبين والمحللين لوزيرة الداخلية شبانة محمود بضرورة إظهار الحزم ذاته الذي أبدته في ملفات الهجرة لتطبيق سياسات صارمة ضد شبكات الإخوان، تتزايد المطالب الشعبية والبرلمانية بإصلاح جذري لمنظومة المؤسسات الخيرية وتشديد الرقابة على التمويلات الخارجية.
إن بقاء بريطانيا كمنطقة راحة للواجهات المتطرفة يعرضها لانتقادات دولية متزايدة، ويؤكد أن مواجهة التطرف لا يمكن أن تنجح دون تفكيك البنى الأيديولوجية والمالية التي تعتمد عليها جماعة الإخوان المسلمين في نشر الفكر المتطرف وتقويض استقرار المجتمعات الديمقراطية.

