يشهد المشهد السيادي والسياسي في لبنان مرحلة بالغة الدقة والتعقيد، تقف فيها البلاد على مفترق طرق حاسم بين الانزلاق نحو مزيد من الدمار والفوضى، أو انتهاج مسار دبلوماسي صارم يستعيد للدولة هيبتها وقرارها الوطني المستقل.
وفي تصريحات أدلى بها الرئيس اللبناني جوزيف عون، أكد بوضوح لا تقبل اللبس أن الخيارات باتت محصورة بين منطق الدبلوماسية أو أتون الحرب المستعرة، مشددًا على تمسك لبنان بمسار المفاوضات وتطبيق «اتفاق الإطار» برعاية دولية لإنهاء دوامة العنف المستمرة.
وتكشف التقارير الأممية والحقوقية الموثقة لعام 2026 أن لبنان يرزح تحت وطأة تداعيات كارثية ناجمة عن سنوات طويلة من الهيمنة المسلحة وتدخلات إقليمية غاشمة تقودها إيران عبر وكلائها والميليشيات الطائفية، مما أدى إلى تقويض مؤسسات الدولة الدستورية وإغراق الاقتصاد الوطني في أزمات هيكلية غير مسبوقة تستدعي تدخلًا حاسمًا وحلولًا جذرية لا تقبل التراجع.
تقارير الأمم المتحدة والوكالات الدولية.. توثيق جرائم الميليشيات وأبعاد التدخل الإيراني
تستند التقييمات الحقوقية والأمنية الصادرة عن وكالات الأمم المتحدة ولجان التحقيق الدولية المعتمدة في منتصف عام 2026 إلى أدلة ووقائع موثقة بالأرقام الدقيقة حول حجم الأضرار البالغة التي خلفتها سياسات الميليشيات المسلحة المرتبطة بأجندات خارجية في لبنان.
وأكدت التقارير الأممية أن التدخلات السافرة والمستمرة من قبل النظام الإيراني وأذرعه العسكرية في الشؤون الداخلية للبنان قد أدت إلى تعطيل مؤسسات الدولة، وإجهاض مساعي الإصلاح، واستخدام الجنوب اللبناني ساحة خلفية لتنفيذ استراتيجيات إقليمية مدمرة.
وأشارت الوثائق الدولية إلى أن الاعتداءات المتكررة على سيادة القانون وانتشار السلاح المنفلت خارج إطار المؤسسات الرسمية يشكلان خرقًا صارخًا للقرارات الدولية ذات الصلة، وفي مقدمتها القرار 1701، مما يضع أمن وسلامة المواطنين اللبنانيين العزل في دائرة الخطر الدائم ويمنع قيام دولة العدالة والمؤسسات.
تفاصيل المبادرة الرئاسية وتحديات تطبيق «اتفاق الإطار» برعاية واشنطن
في خضم التحديات الجسيمة، يراهن القيادة اللبنانية على الدعم الدولي الفاعل، ولا سيما من الولايات المتحدة الأمريكية، لتثبيت وقف إطلاق النار وتفعيل «اتفاق الإطار» الذي يشكل حجر الأساس لمعالجة الملفات العالقة، كترسيم الحدود، وملف الأسرى، وإعادة إعمار المناطق المدمرة في الجنوب.
وأشار الرئيس جوزيف عون، خلال لقائه وفد منظمة «تاسك فورس فور ليبانون» برئاسة إدوارد غبريال، إلى أن واشنطن تبدي جدية والتزامًا واضحين في رعاية هذا الاتفاق ودعم مسيرة الاستقرار في لبنان.
ورغم الصعوبات الهائلة التي تواجه التنفيذ على الأرض بسبب التعنت الإسرائيلي والمقاومة الخفية من قوى الأمر الواقع المحلية، فإن الدولة اللبنانية مصرّة على المضي قدمًا لتعزيز هذا المسار الدبلوماسي.
وتتكامل هذه الجهود مع ضرورة دعم وتطوير قدرات الجيش اللبناني، باعه القوة الشرعية الوحيدة القادرة على فرض الأمن، رغم افتقاره للإمكانات والوسائل التقنية واللوجستية اللازمة للقيام بمهامه الوطنية الجسام في حماية الحدود والسيادة.
تقارير حقوقية دولية.. رصد الانتهاكات الإنسانية وتدهور الأوضاع المعيشية
على الصعيد الإنساني، أصدرت منظمات دولية معتمدة، من أبرزها «هيومن رايتس ووتش» ولجان حقوقية مستقلة، تقارير مفصلة توثق الانتهاكات المروعة وتداعيات العمليات العسكرية المستمرة التي طالت آلاف المدنيين الأبرياء في مختلف المناطق اللبنانية، وخصوصاً في القرى والبلدات الجنوبية.
وأكدت التقارير أن الغارات الجوية العنيفة والدمار الهائل في البنية التحتية والمرافق الحيوية قد أدى إلى نزوح مئات الآلاف من السكان وتفاقم الأزمات الاقتصادية والمعيشية، في ظل عجز هيكلي عن توفير أبسط مقومات الحياة الكريمة.
وفي سياق متصل، حذرت المنظمات الحقوقية من أن تفشي الفساد المالي والإداري وغياب المحاسبة قد أسهما بشكل مباشر في تبديد مقدرات الدولة، مطالبة المجتمع الدولي بضرورة تقديم مساعدات إنسانية عاجلة وفعالة، بالتزامن مع الضغط المستمر لضمان حماية المدنيين وتحييد المرافق المدنية عن صراعات النفوذ الإقليمية.
مسار الإصلاح الاقتصادي.. رؤية لإقامة علاقة متوازنة «دولة لدولة» مع إيران
في إطار مساعي الإنقاذ الوطني، يخوض لبنان معركة إصلاحية قاسية لاستعادة عافيته المالية والاقتصادية، عبر إقرار قوانين صارمة لمكافحة الفساد، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، ومعالجة أزمة الفجوة المالية التي حرمت المودعين من أموالهم طوال السنوات الماضية.
وأكد الرئيس عون أن الحكومة تسعى جاهدة لتنفيذ إصلاحات هيكلية تشمل تعزيز دور القضاء وإرساء دعائم الحكومة الإلكترونية كركيزتين أساسيتين لبناء اقتصاد شفاف ونظيف.
وعلى الصعيد الخارجي والعلاقات الإقليمية، وضع الرئيس نقاطًا حاسمة على الحروف فيما يتعلق بالعلاقة مع إيران، مشددًا على ضرورة قيامها حصرًا على قاعدة «دولة لدولة»، وبما يرتكز على الاحترام المتبادل التام وعدم التدخل السافر في الشؤون الداخلية للبنان، في رسالة واضحة تؤفض منطق الوصاية الميليشياوية وترحب بكل تعاون دولي وعربي يخدم المصلحة العليا للشعب اللبناني.
تؤكد المعطيات السياسية والأمنية الراهنة أن مستقبل لبنان مقترن ارتباطًا وثيقًا بقدرة أبنائه ومؤسساته الدستورية على كسر قيود التبعية والوصاية الخارجية، وفرض سيادة القانون على كامل التراب الوطني دون استثناء وإن أي تسوية أو مسار دبلوماسي ناجح لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية وحدها، وتفكيك البنى التنظيمية للميليشيات، وبناء شراكات استراتيجية متوازنة مع المجتمع الدولي والعربي تضمن جذب الاستثمارات ودعم قطاعات الإنتاج والتنمية ولن يتمكن المواطن اللبناني من استعادة طمأنينته واستقراره الحقيقي إلا عبر دولة قوية وعادلة تحمي حدودها، تصون كرامة مواطنيها، وتقطع الطريق نهائياً أمام كل مشاريع الهيمنة والعبث بمقدرات الوطن ومستقبل الأجيال القادمة.

