في مشهد جيوسياسي يزداد تعقيدًا، تتكشف خيوط مؤامرة عابرة للحدود تربط بين أطراف لم تكن يومًا في نظر المراقبين حلفاء طبيعيين، إلا أن المصالح التكتيكية والعداء المشترك لمؤسسات الدولة الوطنية جمع بين تنظيم الإخوان الدولي وبين أذرع النظام الإيراني، وعلى رأسها الحرس الثوري.
ولم تعد هذه العلاقة مجرد تحليلات صحفية، بل أصبحت حقائق مدعومة بتقارير استخباراتية وعقوبات دولية طالت قيادات رفيعة في التنظيم، كان أبرزها الأمين العام للتنظيم الدولي للإخوان، محمود الإبياري.
إن هذا التحالف ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى خلق بؤر توتر في عمق المجتمعات العربية، مستغلةً الغطاء الأيديولوجي للإخوان والقدرات اللوجستية والمالية للحرس الثوري، مما يضع المجتمع الدولي أمام تحدٍّ وجودي لمواجهة هذه الشبكات التي تعمل تحت مسميات سياسية ودينية، بينما تغذي الفوضى المسلحة والفساد المالي في آن واحد.
محمود الإبياري: العقوبات الأمريكية تكشف الوجه الآخر لنفوذ التنظيم الدولي
لم يكن قرار وزارة الخزانة الأمريكية بإدراج محمود الإبياري، الأمين العام للتنظيم الدولي للإخوان، على قوائم العقوبات المتعلقة بالإرهاب مجرد إجراء روتيني، بل كان بمثابة زلزال ضرب أركان الهيكل القيادي للجماعة، وكشف عن سنوات من الأنشطة السرية التي تجاوزت العمل التنظيمي التقليدي إلى التنسيق مع جهات مصنفة ككيانات راعية للإرهاب.
ووفقًا للمعلومات الاستخباراتية الموثقة، فقد أدار الإبياري، المقيم في بريطانيا، شبكة اتصالات واسعة امتدت من نيجيريا وجنوب أفريقيا وصولًا إلى لبنان وباكستان.
وتشير الوقائع إلى أن تحركاته لم تكن تهدف فقط لتعزيز الهيكلية التنظيمية، بل كانت تهدف لخلق جبهة تضامن مع قوى إقليمية معادية للاستقرار، حيث كشفت المصادر عن لقاءات مباشرة جمعته بشخصيات تنتمي للحرس الثوري الإيراني وأطراف تابعة لحزب الله.
إن إدراج الإبياري على قوائم العقوبات يمثل ضربة قاصمة لطموحاته في السيطرة على مفاصل الجماعة، ويؤكد أن الاستخبارات الدولية باتت تمتلك رؤية شاملة لتحركات هؤلاء القياديين الذين يرتدون قناع العمل السياسي، بينما ينسقون في الخفاء مع كيانات عسكرية متورطة في زعزعة الأمن الإقليمي.
تقارير أممية وحقوقية: وثائق تدين تورط الإخوان في دعم شبكات التطرف
تستند التحقيقات الدولية في أنشطة التنظيم الدولي للإخوان إلى سجل حافل من التقارير الأممية التي وثقت دور الجماعات المتطرفة في تقويض السلام والأمن الدوليين.
ففي تقارير صادرة عن مجلس الأمن الدولي ولجان العقوبات التابعة للأمم المتحدة، تمت الإشارة مرارًا إلى أن الأيديولوجيات التي تروج لها تنظيمات مثل الإخوان توفر “التربة الخصبة” للتجنيد والتطرف، وهو ما يتقاطع بشكل مباشر مع أهداف الحرس الثوري الإيراني في نشر نفوذه عبر الميليشيات.
وتشير التقارير الحقوقية الصادرة عن منظمات دولية مثل “هيومن رايتس ووتش” و”أمنستي” في سياقات مختلفة، إلى أن الشبكات المالية التابعة لهذه التنظيمات تُستخدم لغسل الأموال وتمويل العمليات المسلحة، وعلى سبيل المثال، وثقت تقارير مستقلة في عام 2023 كيف أن تدفقات الأموال المشبوهة، التي يديرها قيادات إخوانية، كانت تستخدم في دعم حركات تمرد في منطقة الساحل الأفريقي، وهو ما يتطابق مع التحركات الجغرافية التي قام بها الإبياري في نيجيريا وتنزانيا. إن الربط بين الوقائع التي كشفت عنها العقوبات الأمريكية وبين التقارير الأممية يعزز القناعة بأننا أمام “محور تخريبي” يستخدم المال والسياسة كغطاء لعمليات عسكرية وتخريبية تستهدف إسقاط هيبة الدول.
استراتيجية “التنسيق العابر للحدود”: الحرس الثوري والإخوان في خندق واحد
لا يمكن فهم حجم المخاطر التي يمثلها هذا التحالف إلا من خلال النظر في طبيعة المهام التي تولاها الإبياري وبقية قيادات التنظيم الدولي. تشير المصادر إلى أن الإبياري كان يتولى ملفات مالية واقتصادية حساسة جدًا، ويدير شبكات معقدة من الكيانات الاقتصادية التي تعمل تحت غطاء شركات استثمارية. هذه الأموال، التي تُجمع تحت مسميات “العمل الخيري” أو “الاستثمار الإسلامي”، هي ذاتها التي تُستخدم لتمويل أنشطة مشتركة مع الحرس الثوري.
إن لقاء لاهور الذي انعقد على هامش فعالية للجماعة الإسلامية الباكستانية يمثل نموذجًا لهذا التعاون، حيث يلتقي الإخوان مع أطراف تدور في الفلك الإيراني لتنسيق المواقف ضد الأنظمة الوطنية، وإن الحرس الثوري الإيراني، المعروف بتوظيفه للوكلاء لتحقيق أهدافه، وجد في تنظيم الإخوان شريكًا استراتيجيًا قادرًا على الوصول إلى حاضنات شعبية في دول عربية وإسلامية مختلفة. هذا التنسيق يهدف بشكل أساسي إلى إضعاف المؤسسات الوطنية من الداخل، وتحويل هذه الدول إلى ساحات خلفية لصراعات المحاور التي تقودها طهران، وهو ما تم رصده بدقة من قبل الأجهزة الاستخباراتية التي تابعت اتصالات الإبياري بمسؤولين في الحرس الثوري اللبناني والباكستاني.
الفساد المالي كأداة للسيطرة: كيف يمول الإخوان شبكاتهم السرية؟
إن جوهر نفوذ القيادات الإخوانية، مثل الإبياري، يكمن في قدرتهم على السيطرة على “عصب الحياة” داخل الجماعة، وهو المال. فبينما كان التنظيم يتحدث علنًا عن الإصلاح والعدالة، كان الإبياري يدير “إمبراطورية اقتصادية” تتقاطع مصالحها مع شبكات تهريب الأموال التي يسيطر عليها الحرس الثوري.
وفقًا لتقديرات أمنية، فإن حجم الأصول التي يديرها التنظيم الدولي للإخوان في الخارج يُقدَّر بمليارات الدولارات، وهي أموال تُدار بعيدًا عن الرقابة البنكية الدولية.
وقد أشار تقرير صادر عن مجموعة العمل المالي عام 2024 إلى أن الجمعيات الخيرية التابعة للإخوان في مناطق مثل جنوب أفريقيا ولبنان تعمل كواجهات لغسيل الأموال لصالح تنظيمات متطرفة، هذا التداخل بين الاقتصاد والدين والسياسة يخلق بيئة يصعب اختراقها من قبل الأجهزة الرقابية، وهو ما جعل العقوبات الأمريكية الأخيرة نقطة تحول، إذ إنها لم تستهدف الأشخاص فقط، بل استهدفت شبكة التحويلات المالية التي تربط الإخوان بالحرس الثوري، مما يعيق بشكل كبير قدرتهم على مواصلة تمويل الأنشطة المزعزعة للاستقرار. إن كشف هذه الشبكات يمثل ضرورة ملحة لحماية الأمن القومي للدول التي تستهدفها هذه التنظيمات، وهو ما يتطلب تعاونًا دوليًا لقطع هذه الأذرع المالية بشكل نهائي.
ومع تزايد الضغوط الدولية، وتعدد التقارير الحقوقية والأمنية التي تدين قيادات الصف الأول في الإخوان، يبدو أن التنظيم الدولي يمر بأعمق أزمة وجودية في تاريخه، وإن سعي الجماعة لاختيار بدائل مثل أحمد الراوي يعكس حالة من التخبط الداخلي، ومحاولة يائسة للحفاظ على هيكلية التنظيم بعد أن تهاوت مصداقيته أمام أعين العالم.

