ذات صلة

جمع

المرأة السورية في البرلمان الجديد.. حضور رمزي أم بداية تغيير تشريعي؟

تتلاحق التطورات السياسية في سوريا لترسم ملامح مرحلة دقيقة...

عقوبات أمريكية تضرب قيادة الإخوان.. ماذا يعني إدراج محمود الإبياري؟

في خطوة تصعيدية تعيد رسم خارطة المواجهة الدولية ضد...

مصفاة الزاوية تكشف أزمة أكبر.. كيف يهدد السلاح المنفلت مستقبل النفط الليبي؟

بين ألسنة اللهب المتصاعدة ودوي الاشتباكات العشوائية، تنزف مصفاة...

من الوكلاء إلى الصواريخ.. كيف دفعت إيران واشنطن إلى تشديد استراتيجية الردع؟

تخوض المؤسسة العسكرية الأمريكية في الوقت الحالي منعطفًا استراتيجيًا...

مصفاة الزاوية تكشف أزمة أكبر.. كيف يهدد السلاح المنفلت مستقبل النفط الليبي؟

بين ألسنة اللهب المتصاعدة ودوي الاشتباكات العشوائية، تنزف مصفاة الزاوية النفطية لتعكس حجم المأساة المروعة التي يعيشها قطاع الطاقة في ليبيا تحت سيطرة السلاح المنفلت، حيث لم تعد المنشآت الاستراتيجية في البلاد مساحات للإنتاج والتنمية، بل غدت دروعاً بشرية وغنائم مالية تتصارع عليها تشكيلات مسلحة لا تهتم سوى بتحقيق مكاسب غير مشروعة عبر شبكات تهريب دولية منظمة.

وتؤكد أحدث التقارير الصادرة عن فريق الخبراء التابع لمجلس الأمن الدولي أن استمرار هذا النزيف الاقتصادي يكبد الخزينة العامة خسائر بمليارات الدولارات سنوياً، وسط تواطؤ شبكات محلية ودولية تستغل الفراغ المؤسسي لتعزيز اقتصاد الحرب. ومع تزايد التحذيرات الحقوقية من كارثة بيئية وإنسانية وشيكة، تتسارع المطالب الدولية بضرورة التدخل الحازم وملاحقة أمراء الحرب وتجفيف منابع تمويل الميليشيات لوقف هذا الانهيار الممنهج.

تقارير أممية وحقوقية توثق نزيف النفط الليبي

وتستند التقارير الدولية الصادرة عن فريق الخبراء التابع لمجلس الأمن المعني بليبيا إلى أدلة ووقائع موثقة بالأرقام تؤكد أن مصفاة الزاوية ومحيطها تشكلان البؤرة الأبرز لعمليات تهريب الوقود المنظمة في شمال إفريقيا.

وتشير التقارير الصادرة خلال الأعوام الأخيرة، وتحديداً التقرير السنوي لمجلس الأمن لعام 2024 ومتابعاته لعام 2025، إلى أن عمليات تهريب المكونات النفطية والوقود المدعوم تكبد الخزينة العامة للدولة خسائر فادحة تقدر بنحو خمسة مليارات دولار سنوياً. هذه الأرقام المخيفة لا تعكس فقط حجماً هائلاً من هدر المال العام، بل توضح كيف تستخدم الميليشيات المسلحة العائدات الضخمة لتمويل عمليات شراء الأسلحة المتطورة، وتجنيد المرتزقة، وتوسيع نفوذها الجغرافي والسياسي على حساب مؤسسات الدولة الرسمية.

وتؤكد المفوضية السامية لحقوق الإنسان، في بياناتها الموثقة، أن هذه الشبكات الإجرامية لا تتردد في ارتكاب جرائم جسيمة تشمل الخطف، والابتزاز المالي، والاعتداءات المسلحة على العاملين في قطاع النفط، فضلاً عن تعريض حياة المدنيين المقيمين بالقرب من مجمع المصفاة لخطر المواجهات المسلحة المفاجئة التي تندلع بين الحين والآخر للسيطرة على آبار ومنافذ التهريب.

جرائم الميليشيات وسطوة السلاح المنفلت في محيط المصفاة

وتمثل السيطرة المسلحة على مصفاة الزاوية نموذجاً صارخاً لمدى توغل الميليشيات في مفاصل الاقتصاد الوطني الليبي، حيث توثق تقارير منظمات حقوقية محلية ودولية قائمة طويلة من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي ترتكبها هذه التشكيلات العسكرية.

ففي تاريخ 14 مارس 2023، اندلعت اشتباكات ضارية باستخدام الأسلحة الثقيلة والمتوسطة بالقرب من المنشآت الحيوية للمصفاة، مما أسفر عن سقوط ضحايا مدنيين وإلحاق أضرار بالغة بخزانات التخزين وشبكات الإمداد الأساسية. وتوضح تقارير بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا أن هذه الاشتباكات المتكررة تمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني، وتؤدي بانتظام إلى إيقاف العمليات التشغيلية للمصفاة، الأمر الذي ينعكس بشكل مباشر على حياة المواطنين عبر أزمات خانقة في توفير الوقود وغاز الطهي وانقطاع التيار الكهربائي المتكرر.

وتكشف الوقائع المسجلة أن قادة الميليشيات يفرضون إتاوات مالية ضخمة على ناقلات الوقود والشركات التجارية العاملة في المنطقة، مستغلين حالة الفراغ الأمني وغياب الردع القضائي الفاعل، وهو ما وثقته تصريحات رسمية لمدير المؤسسة الوطنية للنفط التي حذرت مراراً وتكراراً من مغبة استمرار العبث بالمنشآت الاستراتيجية وتداعياته الكارثية على الأمن القومي للاقتصاد الليبي.

ردود الفعل الدولية والعقوبات المالية لمواجهة اقتصاد الحرب

وفي مواجهة هذه الانتهاكات المستمرة والتهديدات المتزايدة لاستقرار الطاقة الإقليمي والدولي، كثفت دوائر صنع القرار الدولي، وخاصة وزارة الخزانة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، من فرض عقوبات مستهدفة ضد شبكات تهريب الوقود وشخصيات قيادية في الميليشيات الليبية المتورطة في جرائم الحرب واقتصاديات الفساد.

وتستند هذه القرارات الصارمة إلى تقارير استخباراتية دقيقة ترصد بدقة مسارات تهريب المنتجات النفطية عبر البحر الأبيض المتوسط نحو أسواق إقليمية ودولية غير مشروعة.

وتشير بيانات مكتب مراقبة الأصول الأجنبية إلى أن العقوبات الأخيرة لا تقتصر على تجميد الأصول الشخصية فحسب، بل تمتد لتشمل شبكات المعاملات المصرفية المعقدة والواجهات التجارية التي تستخدمها الميليشيات لغسيل الأموال الناتجة عن عمليات النهب المنظم للثروة النفطية.

وتؤكد تقارير صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لعام 2025 أن استمرار هذه الأنشطة الإجرامية يعيق جهود إعادة الإعمار، ويفاقم معدلات التضخم، ويقوض أي محاولات جادة لإصلاح النظام المالي والمصرفي في ليبيا، مما يجعل التحرر من سطوة السلاح المنفلت شرطاً أساسياً لا غنى عنه لإنقاذ البلاد من حالة الانهيار الاقتصادي الشامل وتحقيق التنمية المستدامة المنشودة.