ذات صلة

جمع

تجارة الموت والدمار.. السجل الأسود لحزب الله في تدمير مستقبل الأجيال اللبنانية

لم تكن عقود الهيمنة المسلحة والوصاية السياسية التي فرضها...

إصلاحات هيكلية مؤجلة.. هل تنجح القروض وحدها في إنقاذ المالية العمومية في تونس؟

تخوض الدولة التونسية في الوقت الحالي سباقاً محموماً مع...

بين المركز والأقاليم.. كيف تتعامل دمشق الجديدة مع ملف شمال وشرق سوريا؟

تتوسط الخريطة السورية اليوم رقعة شطرنج معقدة تعج بالتناقضات...

إصلاحات هيكلية مؤجلة.. هل تنجح القروض وحدها في إنقاذ المالية العمومية في تونس؟

تخوض الدولة التونسية في الوقت الحالي سباقاً محموماً مع الزمن لتفادي سيناريو الإفلاس الكارثي، وسط تفاقم غير مسبوق في عجز الموازنة العامة، وهو ما يضع المنظومة المالية برمتها على حافة الهاوية.

وبينما تراهن الدوائر الرسمية في تونس على ضخ قروض جديدة وحزم تمويلية إسعافية لإطفاء حرائق الدين العام المشتعلة، يحذر الخبراء والمراقبون من أن هذه الحلول الترقيعية لا تعدو كونها مسكنات مؤقتة تخفي خلفها أمراضاً هيكلية مزمنة يعاني منها الاقتصاد التونسي منذ سنوات طويلة.

إن غياب الجرأة السياسية في تنفيذ الإصلاحات الموجعة، مثل ترشيد الدعم الحكومي وإعادة هيكلة المؤسسات الحكومية العاجزة، يضع البلاد أمام مفترق طرق خطير قد تفقد فيه سيادتها المالية لصالح الدائنين الدوليين، وسط تحذيرات متصاعدة من تقارير حقوقية وأممية تكشف بالأرقام حجم المأساة المعيشية التي يعاني منها المواطن التونسي جراء غلاء المعيشة والتضخم الجامح.

تركة الإخوان الثقيلة: كيف تسببت العشرية السوداء في تجريف الاقتصاد التونسي؟

تعود جذور الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعصف بتونس اليوم، بشكل مباشر، إلى السياسات العشوائية والإدارات الفاشلة التي فرضتها حركة النهضة الإخوانية خلال عشرية وصولها إلى السلطة عقب عام 2011، وهي فترة مظلمة يصفها اقتصاديون بـ”العشرية السوداء”.

لقد شهدت تلك المرحلة إغراق الإدارة العمومية بمئات الآلاف من الانتدابات الحزبية العشوائية وغير المجدية اقتصادياً، مما أدى إلى تضخم باب الأجور بشكل كبير، ليستهلك الجزء الأكبر من الموازنة العامة للدولة على حساب الاستثمار التنموي والتشغيل.

وتشير تقارير رسمية صادرة عن وزارة المالية التونسية إلى أن كتلة الأجور تضاعفت مرات عدة دون أي مردود إنتاجي، فضلاً عن تورط قيادات إخوانية في إبرام صفقات مشبوهة ومنح امتيازات ضريبية لشبكات موالية على حساب الخزينة العامة.

لقد أدى هذا العبث المالي الممنهج إلى استنزاف مقدرات الدولة وتعطيل عجلة الإنتاج، لترتفع معدلات البطالة والفقر إلى مستويات قياسية غير مسبوقة، ولتترك تلك الحقبة تركة ثقيلة من الديون المتراكمة والقطاعات المتعثرة التي تعاني منها تونس حتى يومنا هذا، وسط مطالبات شعبية وقضائية بمحاسبة المتسببين في هذا الخراب المالي.

الأرقام لا تكذب: تقارير دولية تكشف أرقام العجز والمديونية

في ظل التعتيم الرسمي المستمر على التفاصيل الدقيقة للأزمة، تأتي التقارير الصادرة عن المنظمات الأممية والدولية لتكشف بالأرقام الموثقة حجم الكارثة الاقتصادية والاجتماعية التي تهدد الاستقرار في تونس.

فقد أكدت تقارير حديثة صادرة عن البنك الدولي وصندوق النقد الدولي لعام 2025 أن نسبة الدين العام في تونس تجاوزت 80% من إجمالي الناتج المحلي، وهو معدل حرج يضع البلاد ضمن دائرة الدول المعرضة للتخلف عن سداد التزاماتها الخارجية.

ومن جهتها، أشارت تقارير صادرة عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان إلى أن نسبة التضخم في تونس قفزت إلى مستويات مرتفعة خلال العامين الأخيرين، مما أدى إلى تراجع حاد في القدرة الشرائية للمواطنين وتآكل الطبقة الوسطى بشكل كبير.

وأكدت هذه التقارير الأممية، بالتواريخ والوقائع الموثقة، أن شريحة واسعة من العائلات التونسية باتت تعاني من الفقر المدقع وانعدام الأمن الغذائي نتيجة الارتفاع الكبير في أسعار المواد الأساسية، مما ينذر بانفجار اجتماعي إذا لم يتم تدارك الأمر عبر سياسات اقتصادية حقيقية وعادلة.

مخاطر الاعتماد المفرط على الديون الخارجية لتمويل عجز الموازنة

تعتمد الحكومة التونسية، في الوقت الراهن، بشكل كبير على الاقتراض الخارجي والمحلي لسد العجز المتنامي في الموازنة العامة، ودفع أجور الموظفين، وسداد أقساط الديون السابقة، وهو نهج يحذر منه خبراء الاقتصاد.

إن هذا المسار يعرض الاقتصاد التونسي لدوامة مفرغة، حيث تذهب نسبة كبيرة من القروض الجديدة إلى خدمة ديون قديمة، دون توجيه جزء كافٍ منها نحو مشاريع استثمارية منتجة تخلق الثروة وفرص العمل للشباب.

ووفقاً لتصريحات موثقة لخبراء ومحللين اقتصاديين، فإن الاعتماد على التمويل الخارجي دون غطاء إصلاحي حقيقي يفتح الباب أمام التدخلات الخارجية ويفرض شروطاً قاسية ترتبط برفع الدعم وخصخصة المؤسسات الحيوية، وهو ما يضر بالطبقات الضعيفة ومحدودي الدخل بشكل مباشر.

وقد حذرت تقارير أممية نُشرت مؤخراً من أن استمرار هذا النهج دون رؤية استراتيجية واضحة سيؤدي إلى فقدان تونس جزءاً من استقلالها المالي، ويضعها تحت رقابة مشددة من المؤسسات المالية الدولية.

معضلة الدعم العمومي: بين مطرقة الإصلاحات الاجتماعية وسندان الشروط الدولية

تمثل منظومة الدعم الحكومي للمواد الأساسية والوقود والكهرباء في تونس واحدة من أكبر الأزمات الهيكلية التي تثقل كاهل المالية العمومية، حيث تستنزف مليارات الدنانير من خزينة الدولة سنوياً دون أن تصل بالضرورة إلى مستحقيها الفعليين.

وترفض الحكومات المتعاقبة الاقتراب من هذا الملف الشائك خشية اندلاع احتجاجات شعبية واسعة، إلا أن الضغوط الدولية التي تمارسها الجهات المانحة باتت تضع إصلاح هذا الملف شرطاً أساسياً لأي تمويل مستقبلي.

وتشير المعطيات الميدانية إلى أن الدعم الحالي يستفيد منه التجار والمضاربون والمهربون، إلى جانب المواطن البسيط، مما يتطلب إرساء نظام رقمي دقيق يستبدل الدعم العشوائي بدعم نقدي مباشر للأسر الفقيرة والمتوسطة.

إن التباطؤ في اتخاذ هذه القرارات يعمق أزمة عجز الموازنة ويجعل البلاد عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها الأساسية، مما يتطلب شجاعة سياسية ووعياً وطنياً لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان.

المؤسسات العمومية العاجزة: ثقب أسود يلتهم مقدرات الدولة التونسية

لا يمكن الحديث عن أزمة المالية العمومية في تونس دون تسليط الضوء على الدور الذي تلعبه المؤسسات والشركات العمومية، التي تحولت إلى عبء كبير على المالية العامة، في ظل استمرار خسائر عدد منها.

وتعاني الغالبية العظمى من هذه المؤسسات، مثل شركات النقل، والخطوط التونسية، وشركات الطاقة، والفوسفات، من إدارات متعثرة، وتضخم في أعداد العمالة، فضلاً عن تحديات تتعلق بالحوكمة والفساد.

وقد كشفت تقارير رقابية رسمية عن خسائر كبيرة تكبدتها هذه الشركات خلال السنوات الأخيرة، مما جعلها تعتمد بصورة كبيرة على خزينة الدولة لضمان دفع أجور موظفيها وتجنب الإفلاس، وهو أمر أصبح أكثر صعوبة في ظل محدودية الموارد المالية والنقد الأجنبي.

إن إصلاح هذه المؤسسات أو الحد من العبء المالي الذي تمثله بات مطلباً أساسياً، ورغم المحاولات التي بذلتها بعض الحكومات، فإن العقبات السياسية والنقابية لا تزال تمثل تحدياً أمام تنفيذ عمليات هيكلة شاملة.

وأمام هذه التحديات والأرقام التي تكشفها التقارير الدولية، بات واضحاً أن تونس لم تعد تملك ترف الوقت أو خيار ترحيل الأزمات إلى المستقبل، وأن القروض وحدها لن تكون كافية ما لم تقترن بإصلاحات هيكلية عميقة، تشمل مكافحة الفساد، ورفع كفاءة الإدارة العمومية، وتحفيز الاستثمار الداخلي والخارجي عبر إزالة التعقيدات البيروقراطية.