تزامن انتشار وحدات الجيش اللبناني في عدد من المناطق الواقعة جنوب نهر الليطاني مع تحركات سياسية ودبلوماسية مكثفة، كان أبرزها اللقاء المرتقب بين الرئيس اللبناني جوزيف عون والرئيس الأمريكي دونالد ترامب في واشنطن، في مشهد يعكس تداخل المسارين الأمني والسياسي في واحدة من أكثر القضايا حساسية داخل لبنان.
وبينما يسعى الجيش إلى تثبيت حضوره الميداني، تتجه الأنظار إلى نتائج الاتصالات الدولية التي يعول عليها لدفع مسار التهدئة وتهيئة الظروف لتنفيذ التفاهمات المتعلقة بالحدود الجنوبية.

ويرى مراقبون أن الانتشار العسكري الأخير لا يقتصر على كونه خطوة ميدانية، بل يمثل اختبارًا لقدرة الدولة اللبنانية على فرض سلطتها في المناطق الحدودية، بالتوازي مع اختبار آخر يتعلق بمدى استعداد المجتمع الدولي، وفي مقدمته الولايات المتحدة، للضغط من أجل تنفيذ الالتزامات المتبادلة بين لبنان وإسرائيل.
الجيش يثبت حضوره والقرار ينتظر السياسة
كما يؤكد خبراء عسكريون أن المؤسسة العسكرية اللبنانية تمتلك الإمكانات البشرية والتنظيمية التي تؤهلها لتنفيذ أي قرار سياسي يتعلق بحصر السلاح بيد الدولة، مشيرين إلى أن الجيش بدأ بالفعل تطبيق خطط الانتشار في مناطق جنوب الليطاني ضمن إطار التفاهمات الأمنية القائمة.
ونجاح الجيش في تنفيذ مهامه جنوب النهر يعزز صورة الدولة اللبنانية أمام المجتمع الدولي، ويمنح القيادة السياسية ورقة مهمة خلال اتصالاتها مع العواصم المؤثرة، خصوصًا في ظل الدعم الدولي المستمر للمؤسسة العسكرية.
في الوقت يتم التشديد علي أن نجاح المهمة لا يرتبط بالقدرات العسكرية وحدها، بل يتطلب توافقًا سياسيًا داخليًا وضمانات خارجية تحول دون عودة التوتر إلى المناطق الحدودية.
معادلة الانسحاب والسلاح.. العقدة المستمرة
ورغم الخطوات الميدانية، لا تزال الأزمة الأساسية تدور حول اختلاف أولويات الأطراف المعنية، إسرائيل تربط أي انسحاب كامل من المناطق التي تسيطر عليها بضمان إنهاء الوجود المسلح لحزب الله في الجنوب، بينما يتمسك الحزب بموقف يعتبر أن أي نقاش حول سلاحه يجب أن يسبقه انسحاب إسرائيلي كامل ووقف دائم للاعتداءات.
ويرى محللون أن هذه المعادلة تضع الدولة اللبنانية في موقف بالغ التعقيد، إذ تجد نفسها مطالبة بتنفيذ التزامات أمنية لا تملك وحدها القدرة على فرض شروطها السياسية، وهو ما يجعل الدور الأمريكي عنصرًا حاسمًا في أي تقدم محتمل.

وفي هذا الإطار، يكتسب اللقاء المرتقب بين الرئيسين اللبناني والأمريكي أهمية خاصة، باعتباره فرصة لبحث آليات دعم الجيش اللبناني، إلى جانب محاولة الحصول على ضمانات دولية تساعد في دفع إسرائيل نحو تنفيذ التزاماتها المرتبطة بالانسحاب ووقف التصعيد.
بين الفرصة والمخاطر
أن ما يجري جنوب الليطاني قد يمثل نموذجًا يمكن البناء عليه إذا نجحت التجربة في تحقيق الاستقرار، إلا أن الطريق لا يزال مليئًا بالتحديات، خصوصًا مع استمرار الحوادث الأمنية وتبادل الاتهامات بين الأطراف.
كما يثير غياب آلية تنسيق واضحة تضم جميع الجهات الدولية المعنية تساؤلات حول قدرة التفاهمات الحالية على الصمود، خاصة في ظل استمرار التوتر الإقليمي وانعكاساته على الساحة اللبنانية.
بينما يحرص الجيش اللبناني على تنفيذ مهامه وفق قواعد تمنع الانزلاق إلى أي مواجهة داخلية، واضعًا الحفاظ على السلم الأهلي في مقدمة أولوياته، بالتوازي مع مواصلة الانتشار وتعزيز سلطة الدولة في المناطق الحدودية.

