ذات صلة

جمع

إيران في دوامة “الوريث الغائب”.. هل تنهار شرعية النظام من الداخل؟

في مشهدٍ سياسيٍ يكتنفه الغموض وتسيطر عليه تساؤلات الوجود،...

الليلة.. فرنسا تلتقي إسبانيا في مواجهة البحث عن تذكرة التأهل لنهائي المونديال

يلتقي منتخب فرنسا نظيره إسبانيا في العاشرة من مساء...

غزة ما بعد حماس.. المانحون يضعون خطة “التعافي المبكر” دون سلاح الحركة

يقف قطاع غزة اليوم أمام مفترق طرق تاريخي، حيث تتجه الأنظار نحو مبادرة أوروبية طموحة لتقديم حزمة دعم مالي تصل إلى مليار دولار، تهدف في جوهرها إلى البدء في “التعافي المبكر” لقطاعٍ حولته سنوات الصراع إلى أطلال. ولكن، وراء الأرقام الضخمة والوعود الدولية، تبرز عقبة وجودية لا يمكن تجاوزها لضمان وصول هذه الأموال لمستحقيها منها نزع سلاح حركة حماس.

إن التساؤل الذي يطرحه المانحون الدوليون اليوم ليس مجرد تساؤلٍ مالي حول طرق الإنفاق، بل هو تساؤلٌ أمني وسياسي عميق وهي كيف يمكن ضمان عدم وقوع هذه الموارد في الأيدي الخطأ، وكيف يمكن بناء مستقبلٍ يعتمد على الخدمات الأساسية بدلاً من الأنفاق والذخائر؟

تقارير أممية وحقوقية: تكلفة الصراع الباهظة والمسؤولية الملقاة على عاتق حماس

ولا يمكن قراءة المشهد الإنساني في غزة دون العودة إلى التقارير الصادمة التي أصدرتها الأمم المتحدة ومؤسسات حقوق الإنسان الدولية، ففي تقاريرها المحدثة خلال عامي 2025 و2026، وثقت الهيئات الدولية أن قطاع غزة يعاني من دمارٍ شبه كامل في البنية التحتية الأساسية.

وبحسب تقرير “مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنساني “OCHA في ديسمبر 2025، فإن القطاع يحتاج إلى عقودٍ من العمل الميداني لإزالة ملايين الأطنان من الركام، التي تشير التحقيقات إلى أنها تحتوي على ذخائر غير منفجرة مرتبطة بالأنشطة العسكرية المكثفة لحركة حماس، مما يجعل من أي محاولة لإعادة الإعمار مخاطرة أمنية كبرى.

ولقد طالبت تقارير صادرة عن منظمات حقوقية محلية ودولية حركة حماس بتحمل مسؤوليتها القانونية عن تعريض المدنيين للخطر، حيث أشار تقرير صادر عن “المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان” -في وقت سابق- إلى أن استخدام المناطق السكنية والمرافق الخدمية كمراكز عمليات عسكرية قد أدى إلى تدمير مئات الآلاف من الوحدات السكنية، وهو ما يتوافق مع شهادات الشهود التي سجلتها لجان التحقيق الدولية، والتي أكدت أن نهج الحركة في تحويل موارد القطاع لصالح تعزيز قوتها العسكرية على حساب الاحتياجات المدنية قد خلق فجوةً تنموية قد تستغرق أجيالاً لتجاوزها.

“الأيدي الخطأ”: لماذا يصر المانحون على الرقابة المالية الصارمة؟

وتُعد قضية “نظام المدفوعات” للسلطة الفلسطينية من أكثر الملفات حساسيةً في المحادثات الدورية مع الاتحاد الأوروبي، حيث تصر بروكسل، بصفتها أكبر مانح للفلسطينيين، على ضرورة وجود نظام تدقيق مالي لا يترك مجالاً للشك بأن الأموال قد تُستخدم لتمويل أي أنشطة خارج إطار الدولة والمؤسسات الشرعية.

وفي تصريحات موثقة للمفوضة الأوروبية دوبرافكا شويتسا، تم التأكيد بوضوح على أن نزع سلاح حماس ليس شرطًا سياسيًا فحسب، بل هو “متطلب فني وإنساني” لضمان ألا تذهب موارد إعادة الإعمار – التي من المفترض أن تذهب للمياه، الصرف الصحي، والمستشفيات – لتمويل بنية تحتية عسكرية أخرى.

الإصلاحات الفلسطينية: طريق استعادة الثقة الدولية

ويخوض رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى معركة دبلوماسية ومالية صعبة لإقناع المانحين بأن السلطة الفلسطينية قادرة على إدارة القطاع عبر برنامج إصلاحي شامل ومكثف.

ويشدد المجتمع الدولي في اجتماعات بروكسل الأخيرة على أن استعادة ثقة المانحين تتوقف على نجاح السلطة في بسط سيادتها الحقيقية على غزة، بعيدًا عن سيطرة الميليشيات التي عطلت لسنوات المرحلة الثانية من اتفاقيات وقف إطلاق النار التي كان من المفترض أن تبدأ منذ أكتوبر 2025.

إن النجاح في هذه الإصلاحات هو الضمانة الوحيدة لتدفق المليارات التي ستُستخدم في إزالة الأنقاض، وإعادة تأهيل شبكات المياه التي دمرتها سنوات المواجهات العنيفة.

تحديات إعادة الإعمار: خارطة طريق لغزة ما بعد 2026

ووفقًا لتقديرات الأمم المتحدة، فإن تكلفة إعادة الإعمار الشاملة لغزة ستتطلب عشرات المليارات من الدولارات، وهي مبالغ لن تأتي إلا في حال توفر “بيئة مستقرة” خالية من السلاح غير المنضبط.

ويهدف “مجلس السلام” الذي ينسق الجهود الدولية حاليًا إلى دمج جهود الإغاثة العاجلة مع خطط التعافي بعيدة المدى، مع التركيز على منع تحويل غزة إلى “ثكنة عسكرية” مجددًا، فالهدف الأسمى للمانحين هو تحويل القطاع من بؤرة للنزاع الإقليمي إلى منصة للنمو الاقتصادي تخدم ملايين الفلسطينيين الذين عانوا من ويلات الحرب والسياسات التي وضعت مصالح التنظيمات فوق مصالح الشعب.

ويواجه قطاع غزة منعطفًا تاريخيًا مع سعي المانحين الدوليين، بقيادة الاتحاد الأوروبي، لضخ حزمة مساعدات تصل إلى مليار دولار ضمن خطة “التعافي المبكر”.

هذا التوجه لا يمثل مجرد دعم مالي، بل استراتيجية سياسية وأمنية مشروطة بإنهاء هيمنة حركة حماس ونزع سلاحها، لضمان عدم تحويل الموارد المدنية إلى أغراض عسكرية.

وتستند هذه الرؤية الدولية إلى تقارير أممية وحقوقية، أبرزها تقرير “أوتشا” في ديسمبر 2025، الذي حذر من أن الدمار الهائل والذخائر غير المنفجرة الناتجة عن أنشطة الحركة العسكرية داخل المناطق السكنية يعيقان أي جهود للإعمار.

وتؤكد المنظمات الدولية، أن نهج حماس في تسخير موارد القطاع لصالح قوتها العسكرية أدى إلى “فجوة تنموية” تتطلب عقوداً للتعافي.

وفي ظل هذا الواقع، تصر بروكسل على نظام تدقيق مالي صارم لضمان شفافية الإنفاق. ومن جانبه، يقود رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى جهودًا دبلوماسية مكثفة لتنفيذ برنامج إصلاحي يهدف إلى استعادة سيادة السلطة الفلسطينية على غزة، باعتبارها الضمانة الوحيدة لجذب الاستثمارات الدولية.

إن هدف المانحين يتجاوز إزالة الأنقاض؛ فهو يسعى لتحويل غزة من ساحة للنزاع المسلح إلى بيئة مستقرة ومنصة للنمو الاقتصادي، شريطة أن تتقدم مصالح الشعب الفلسطيني على أجندات التنظيمات المسلحة.