ذات صلة

جمع

إيران في دوامة “الوريث الغائب”.. هل تنهار شرعية النظام من الداخل؟

في مشهدٍ سياسيٍ يكتنفه الغموض وتسيطر عليه تساؤلات الوجود،...

الليلة.. فرنسا تلتقي إسبانيا في مواجهة البحث عن تذكرة التأهل لنهائي المونديال

يلتقي منتخب فرنسا نظيره إسبانيا في العاشرة من مساء...

إيران في دوامة “الوريث الغائب”.. هل تنهار شرعية النظام من الداخل؟

في مشهدٍ سياسيٍ يكتنفه الغموض وتسيطر عليه تساؤلات الوجود، تعيش إيران منذ مقتل مرشدها السابق علي خامنئي في 28 فبراير 2026، حالةً من الفراغ السلطوي غير المسبوق، إذ يقبع “المرشد الأعلى الجديد” مجتبى خامنئي في ظلالِ غيابٍ تام عن المشهد العلني، وسط تصاعدٍ حاد في تقارير المنظمات الدولية التي توثق انتهاكاتٍ حقوقية تُصنف في جوهرها كجرائم ضد الإنسانية.

وبينما تُحاول الأجهزة الأمنية والحرس الثوري الإيراني الترويج لفكرة “القائد الغائب” كمحاكاةٍ أيديولوجية لـ “الغيبة الصغرى”، تظل الحقيقة المرة أن النظام يواجه أزمة شرعية وجودية، تتغذى على دماء آلاف المحتجين وتُفاقمها سياسات قمعٍ دمويٍّ لم تشهدها البلاد منذ عقود.

“الغيبة” المزعومة: ستارة دخانية لترسيخ هيمنة الحرس الثوري

ومنذ تنصيبه “صوريًا” مرشدًا أعلى للبلاد، لم يظهر مجتبى خامنئي، البالغ من العمر 56 عامًا، في أي محفلٍ عام، مكتفيًا ببياناتٍ نصيةٍ باهتةٍ تُنشر عبر قنوات تليجرام، وهو غيابٌ أثار تكهناتٍ واسعة حول مصيره، لا سيما بعد إصابته في الهجوم الذي أودى بحياة والده.

ويرى محللون أن هذا الغياب ليس مجرد إجراء أمني، بل هو استراتيجية من الحرس الثوري الإيراني لملء الفراغ بالسلطة المطلقة، حيث يُهيمن القادة العسكريون على القرار السيادي في ظل “قائدٍ” لا يراه أحد ولا يُسمع له صوت، مما يضع الدولة على حافة الانهيار الداخلي.

سجلٌ أسود: انتهاكات إيران في تقارير الأمم المتحدة “2025-2026”

وفي الوقت الذي ينشغل فيه النظام بترتيب أوراق “الخلافة الغامضة”، تؤكد تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية الدولية أن عام 2025 و2026 كانا الأكثر دموية في تاريخ الجمهورية الإسلامية الحديث.

فقد أشار تقرير “هيومن رايتس ووتش” العالمي لعام 2026 إلى أن السلطات نفذت أكثر من 2000 إعدام، وهو الرقم الأعلى منذ أواخر الثمانينيات، واصفةً هذه الإجراءات بأنها “هجوم واسع النطاق ومنهجي ضد سكان مدنيين”.

وقد أكدت المقررة الأممية الخاصة المعنية بحالة حقوق الإنسان في إيران، ماي ساتو، أن النظام يستخدم عقوبة الإعدام كـ “أداة سياسية لفرض سيطرة الدولة المميتة” على المواطنين، محذرةً من أن القمع لم يعد يقتصر على المعارضين، بل طال النساء، والأقليات العرقية والدينية كالأكراد والبلوش والأحوازيين، الذين يواجهون محاكماتٍ جائرة لا تستغرق في بعض الأحيان أكثر من 10 دقائق.

وقائع قمعية: حين تصبح الشوارع ساحات حرب

وسجلت تقارير موثقة مقتل ما لا يقل عن 36,500 شخص خلال الاحتجاجات المتلاحقة، حيث استخدمت قوات الأمن البنادق الحربية والخرطوم لتفريق المتظاهرين، وتم اعتقال أكثر من 21 ألف شخص في أعقاب أحداث يونيو 2026 ولم تتورع السلطات عن اعتقال الحائزة على جائزة نوبل “نرجس محمدي” ورفاقها في ديسمبر 2025، في حملة قمعٍ طالت المحامين والأطباء الذين وثقوا انتهاكات النظام.

وفي أكتوبر 2025، وقّع الرئيس مسعود بزشكيان قانون طوارئ يوسع نطاق عقوبة الإعدام بتهم “الأمن القومي” الفضفاضة، وهو ما يُعد انتهاكًا صارخًا للمواثيق الدولية.

أزمة شرعية لا يغطيها “التمثال”

إن محاولة النظام الإيراني تحويل “قاسم سليماني” وغيره من الرموز العسكرية إلى أيقونات مقدسة فشلت في اختراق الوجدان الشعبي، بل تحولت تماثيلهم إلى أهدافٍ لغضب المتظاهرين الذين يرون في سقوطها بدايةً لسقوط النظام نفسه. اليوم، تعاني إيران من عزلةٍ داخليةٍ خانقة.

حيث يرى الشعب أن النظام ضحى بمستقبل البلاد في حروبٍ إقليمية عبثية، بينما يعاني الاقتصاد من حصارٍ مطبق، وتظل آمال التغيير معلقة على صمود نشطاء الداخل الذين يواجهون “آلة الموت” بروحٍ إنسانيةٍ لا تلين.

وتعيش إيران حالة من الفراغ السلطوي والشرعية الوجودية عقب مقتل المرشد علي خامنئي في فبراير 2026، وتُدار البلاد حاليًا عبر “المرشد الغائب” مجتبى خامنئي، الذي لا يظهر علنيًا، مما عزز هيمنة الحرس الثوري على مفاصل الدولة، محولاً “الغيبة” إلى غطاء أيديولوجي لإدارة سياسية وعسكرية مطلقة.

وتتزامن هذه الأزمة مع تصاعد وتيرة القمع بشكل غير مسبوق؛ حيث وثقت تقارير “هيومن رايتس ووتش” لعام 2026 تنفيذ أكثر من 2000 إعدام في 2025، في أعلى حصيلة منذ عقود.

وتؤكد المقررة الأممية ماي ساتو أن النظام يمارس “هجومًا منهجيًا ضد المدنيين” عبر محاكمات جائرة وقمع دموي طال النساء والأقليات والنشطاء، مع تسجيل مقتل نحو 36,500 شخص واعتقال أكثر من 21 ألفًا خلال الاحتجاجات الأخيرة.

إن محاولات النظام لفرض السيطرة عبر القوة المفرطة، وقوانين الطوارئ التي وقعها الرئيس بزشكيان في أكتوبر 2025 لتوسيع عقوبات الإعدام، لم تنجح في انتزاع اعتراف شعبي، بل على العكس، زادت من العزلة الداخلية؛ حيث يرى الشعب الإيراني أن النظام يضحي بمستقبل البلاد في حروب إقليمية لخدمة مصالح النخبة العسكرية.

ومع غياب القائد الفعلي وتآكل القاعدة الشعبية للنظام، تقف إيران اليوم أمام مفترق طرق تاريخي، حيث يواجه “قمع آلة الموت” إرادة شعبية صامدة تزداد يقينًا بأن شرعية الدولة قد انهارت من الداخل.