ذات صلة

جمع

“الجهاز السري”.. أخطبوط الإخوان الذي قاد قيادات النهضة إلى دهاليز السجون

في لحظة تاريخية فارقة، يكتب البرلمان التونسي فصلاً جديدًا...

خيوط الخديعة.. كيف يوظف الجيش السوداني “أكذوبة الحماية” لشرعنة الانتهاكات؟

في الوقت الذي تصب فيه المؤسسات العسكرية والمنصات الإعلامية...

خطط جاهزة وتصعيد مؤجل.. إسرائيل تضع منشآت إيران الحيوية في دائرة الاستهداف

تتواصل مؤشرات التصعيد بين إسرائيل وإيران رغم المساعي الدبلوماسية...

واشنطن ترفع سقف التفاوض مع إيران.. أمن هرمز و”الملف النووي” في معادلة واحدة

تشهد الاتصالات بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة جديدة تتسم...

خيوط الخديعة.. كيف يوظف الجيش السوداني “أكذوبة الحماية” لشرعنة الانتهاكات؟

في الوقت الذي تصب فيه المؤسسات العسكرية والمنصات الإعلامية المرتبطة بجماعة الإخوان في السودان جام غضبها وتركيزها على “هجوم وشيك” على مدينة الأبيض في شمال كردفان، تتكشف خلف هذه الضوضاء الإعلامية حقائق ميدانية مغايرة تمامًا، تشير إلى أن المدينة ليست سوى “مسرح عمليات” لإدارة أزمة أكبر، حيث يتم استخدام المدنيين كرهائن في لعبة تضليل إعلامي استراتيجي.

لقد بات واضحًا أن التحذيرات المتكررة من “كارثة إنسانية” في الأبيض ليست نابعة من حرص على حماية الأرواح، بل هي جزء من حملة منظمة تهدف إلى “شرعنة” وجود الجيش وإخفاء تحركات عسكرية مريبة في محاور استراتيجية أخرى.3

صناعة “الرواية الاستباقية” لتبرير المخططات العسكرية

ولا يمكن فهم الحملة الإعلامية المحمومة حول مدينة الأبيض بمعزل عن الواقع العسكري على الأرض؛ فالتوقيت ليس عشوائيًا، وتشير التقارير الميدانية والمصادر الموثوقة إلى أن تكثيف الخطاب حول الأبيض يأتي متزامنًا مع تحشيدات عسكرية مكثفة في مناطق جبرة الشيخ ورهيد النوبة.

ويبدو جليًا أن الجيش السوداني يسعى لفرض “تعتيم إعلامي” على هذه المناطق عبر خلق “حدث بديل” في الأبيض، لاستقطاب عدسات الكاميرات وتقارير المنظمات، بينما يتم التحضير في الخفاء لعمليات عسكرية قد تؤدي إلى تداعيات كارثية على السكان والنسيج الاجتماعي في تلك الجبهات المهملة إعلاميًا.

إن استباق الأحداث وتحديد الجهات المسؤولة عن انتهاكات “مستقبلية” هو أسلوب متجذر في عقيدة التضليل الإعلامي للإخوان، لإنتاج روايات جاهزة للرأي العام الدولي تحمي مرتكبي الانتهاكات من المساءلة قبل أن يبدأوا.

المدنيون كـ “دروع بشرية”.. حقائق الحصار الممنهج

وتتناقض الادعاءات بالحرص على حماية السكان في مدينة الأبيض مع الواقع القاسي الذي يعيشه المدنيون هناك؛ حيث أفادت شهادات حية ومقاطع فيديو موثقة بقيام القوات التابعة للجيش وإعلامها الموالي بمنع المواطنين من مغادرة المدينة.

لقد تحولت نقاط التفتيش المنتشرة على مداخل ومخخر مخارج الأبيض إلى سجون مفتوحة تحت مسمى “نقاط الحماية”، ومن الناحية القانونية والحقوقية، فإن إجبار المدنيين على البقاء في مناطق قد تشهد عمليات عسكرية هو انتهاك صريح للقانون الدولي الإنساني، الذي يمنح المدنيين الحق في الانتقال للمناطق الآمنة. وفقًا لتقارير أممية سابقة حول “التدابير الوقائية”، فإن استخدام السكان كدروع بشرية يمثل جريمة حرب مكتملة الأركان.

وتثير هذه الممارسات تساؤلات مشروعة، لماذا يُمنع المدنيون من الخروج إذا كان الهدف فعلاً حمايتهم؟ الإجابة تكمن في الرغبة في استخدامهم كأوراق ضغط إعلامية لتسويق حملات تخدم المصالح العسكرية للجيش، بغض النظر عن فاتورة الدم التي سيدفعها هؤلاء العزل.

حقائق ميدانية تتجاوز الخطاب الإعلامي

وبينما يروج الجيش لبطولاته الوهمية، توثق الخرائط الميدانية حركة دؤوبة نحو مناطق رهيد النوبة وجبرة الشيخ؛ هذه المناطق تشهد تحركات عسكرية بعيدة تمامًا عن التغطية الإعلامية، حيث يتم حشد المقاتلين ونقل العتاد الثقيل في وقت يظل فيه الرأي العام مشغولاً بـ “قصص التهديد” في الأبيض.

ولقد حذرت تقارير أصدرتها لجنة الخبراء التابعة للأمم المتحدة لاسيما في تقارير عام 2024 و2025 من مغبة الانخراط في خطاب الكراهية والتحريض الذي يمارسه أطراف النزاع لتضليل المجتمع الدولي.

وتعد هذه التحركات خروجًا صريحًا عن مبادئ التهدئة الدولية، حيث يتم استغلال الملف الإنساني كغطاء لاستمرار النزاع وإن المطلوب اليوم ليس بيانات إدانة، بل تدخل فوري من قبل الفرق المستقلة لإرسال بعثات تقصي حقائق إلى نقاط التفتيش التي تمنع خروج المدنيين، والتحقق من الأوضاع الميدانية بعيدًا عن الرواية الرسمية للجيش.

مسؤولية المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية

إن نزاهة المجتمع الدولي أمام الاختبار في السودان، وتحديدًا في شمال كردفان، تتطلب رفض الروايات غير الموثقة التي يروج لها الجيشو إن حماية المدنيين ليست شعارًا يرفع في المؤتمرات، بل هي فعل ميداني يبدأ بفتح الممرات الآمنة.

وعلى الهيئات الأممية، وفي مقدمتها مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية “OCHA”، أن تمارس ضغطًا حقيقيًا لفك الحصار عن المدنيين في الأبيض، وإجبار الجيش على عدم تقييد حريتهم في الحركة، وإن الاستمرار في الصمت تجاه منع مغادرة المدنيين يعني ضمناً القبول باستخدامهم كأدوات في الحرب.

إن الحقائق التي تكشفها الممارسات الميدانية في شمال كردفان تؤكد أننا أمام “استراتيجية بقاء” عسكرية تقوم على تضليل الخارج وتدجين الداخل، وإن الأدلة المتوفرة من شهادات حية ووثائق بصرية على نقاط التفتيش تضع الجميع أمام مسؤولياتهم التاريخية لإنقاذ آلاف المدنيين من مخططات عسكرية تسعى لتحويل حياتهم إلى أرقام في “رواية إعلامية” زائفة.