ذات صلة

جمع

تحويل الأعراف إلى أسلحة.. كيف يجبر الحوثيون القبائل على “إثبات الولاء” بالدم؟

في مشهد يعكس ذروة الاحتقان الشعبي ضد الممارسات الحوثية،...

أرتفاع في أسعار الدولار أمام الجنيه

شهد سوق الصرف في مصر خلال تعاملات اليوم السبت...

هدوء في أسعار الذهب اليوم 11 يوليو

تشهد أسعار الذهب اليوم السبت 11 يوليو 2026 في...

أكذوبة الحوار الوطني.. لماذا يسعى البرهان لتفصيل “عملية سياسية” على مقاس الولاءات العسكرية؟

في ظل استمرار الحرب بالسودان، يطرح الفريق أول عبدالفتاح البرهان مبادرات متتالية لما يسميه “عملية سياسية وحوار وطني شامل”، وهي الدعوات التي يراها الكثير من المراقبين والنشطاء السودانيين مجرد “مناورة سياسية” تهدف إلى الالتفاف على مطالب الشارع وتثبيت أركان السلطة العسكرية.

إن التدقيق في هذه الدعوات يكشف عن مفارقة كبيرة بين الخطاب الرسمي للجيش السوداني والواقع الميداني الذي تشهده البلاد، حيث تتواصل الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وتتعاظم سيطرة عناصر النظام السابق من الإخوان المسلمين على مفاصل الدولة والقرار العسكري، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول الجدوى الحقيقية من حوار يتم إدارته من قِبل من يتهمهم السودانيون والمجتمع الدولي بالمسؤولية عن جرائم حرب وانتهاكات واسعة.

التناقض بين الخطاب السياسي والواقع الميداني: وقائع الانتهاكات

ولا يمكن فصل مبادرات البرهان السياسية عن الواقع الذي يعيشه المواطن السوداني تحت نيران الحرب، حيث وثقت تقارير أممية وحقوقية عديدة تورط قوات الجيش والميليشيات المتحالفة معه في انتهاكات جسيمة.

فقد أكد “فريق الخبراء المعني بالسودان” التابع للأمم المتحدة في تقارير دورية، لا سيما تلك الصادرة في أواخر عام 2025، أن استهداف المدنيين من خلال القصف الجوي العشوائي للمناطق السكنية يشكل نمطًا ممنهجًا.

إن هذه الوقائع التي توثق مقتل آلاف المدنيين وتشريد الملايين، تجعل من الحديث عن “حوار وطني” يبدأ من السلطة القائمة أمرًا يفتقر إلى المصداقية، خاصة أن الجهة التي تدعو للحوار هي نفسها التي تُتهم بالتورط في هذه الجرائم، مما يحول العملية السياسية إلى ستار دخاني يهدف لتجاوز استحقاقات العدالة الانتقالية والمحاسبة.

عودة “الإخوان” إلى واجهة المشهد: استراتيجية الولاءات العسكرية

ومن أخطر جوانب المشهد الراهن هي عودة عناصر النظام السابق “حزب المؤتمر الوطني/الإخوان” للتحكم في مفاصل القرار داخل الجيش وفي المحافظات التي يسيطر عليها.

لقد كشفت تحقيقات حقوقية موثقة أن هذه العناصر تقوم بتجييش الشباب وتدريبهم ضمن ما يعرف بـ “المستنفرين”، وهو ما يعتبره خبراء قانونيون محاولة لإعادة إنتاج هيكلية النظام السابق العسكرية.

تصريحات قيادات بارزة في الإخوان حول دعمهم الكامل للبرهان تعزز القناعة بأن “الحوار الوطني” ليس سوى محاولة لشرعنة تحالف عسكري-إسلامي يهدف لإعادة عقارب الساعة إلى ما قبل ثورة ديسمبر، مما يفسر رفض القوى المدنية واللجان المطلبية لهذا الحوار الذي يعيد إنتاج الاستبداد.

تقارير أممية وتوثيق للجرائم الممنهجة

وتشير تقارير مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، وتحديدًا التحديثات الدورية الصادرة خلال العام 2026، إلى وجود أدلة متزايدة على استخدام التجويع كأداة حرب، ومنع وصول المساعدات الإنسانية في المناطق الخارجة عن السيطرة المباشرة للجيش.

هذه الممارسات التي تصنف وفق القانون الدولي الإنساني كجرائم حرب، تجري في وقت يتحدث فيه البرهان عن حلول سياسية، مما يؤكد الانفصام التام بين وعود “العملية السياسية” وحقيقة ما يجري على الأرض.

إن المنظمات الحقوقية الدولية، مثل “هيومن رايتس ووتش” و”العفو الدولية”، وثقت في تقاريرها لعام 2025 حالات اعتقالات تعسفية لصحفيين وناشطين مدنيين عارضوا المبادرات التي يطرحها الجيش، وهو ما يثبت أن هذه “العملية” لا تقبل التعددية بقدر ما تسعى لاحتواء المعارضين.

لماذا يرفض الشارع السوداني مبادرات البرهان؟

ويرى الشارع السوداني، عبر لجان المقاومة والكيانات النقابية، أن أي عملية سياسية لا تبدأ بوقف فوري لإطلاق النار، وإخراج العسكر من العمل السياسي، وتسليم السلطة لحكومة مدنية انتقالية، هي “محاولة للاحتيال” على تضحيات الشعب.

إن الذاكرة السودانية لا تزال تحتفظ بوعود البرهان السابقة التي انتهت بانقلاب 25 أكتوبر، وهو ما جعل الثقة في أي مبادرة جديدة تقترب من الصفر. الحوار الحقيقي في نظر الجماهير لا يكون عبر تفصيل قوى سياسية تابعة للجيش، بل عبر عدالة شاملة تضمن محاسبة كل من تورط في قتل المتظاهرين أو ارتكاب جرائم حرب في دارفور والخرطوم ومناطق أخرى، وهو ما لا يتضمنه أي بند من بنود “الحوار الوطني” الذي يطرحه البرهان وحلفاؤه من أطراف النظام السابق.

إن الرهان على فرض “عملية سياسية” أحادية الجانب محكوم عليه بالفشل، ليس فقط لرفضه الشعبي، بل لأنها تفتقر إلى أساس العدالة والمشاركة الحقيقية وإن استمرار الجيش السوداني في نهجه الحالي يهدد بتمزيق النسيج الاجتماعي السوداني أكثر فأكثر،وبدلاً من السعي وراء مبادرات سياسية تفتقر للشرعية.

كما يشدد المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية على ضرورة التركيز على الملف الإنساني والعدالة كمدخل وحيد لأي حل مستدام وإن التاريخ السوداني أثبت أن الأنظمة التي تسعى لفرض الولاءات عبر السلاح والتحالفات الإقصائية تنهار أمام إرادة الشعوب، واليوم يواجه البرهان والجيش تحديًا وجوديًا؛ فإما الاستجابة لمطالب العدالة والتحول الديمقراطي الحقيقي، أو الغرق في مزيد من العزلة السياسية وتفاقم الجرائم التي تلاحقهم في المحافل الدولية.