هل يمكن أن تتحول الدبلوماسية إلى غطاء لعمليات تصفية جسدية منظمة؟ هذا ليس مجرد تساؤل نظري، بل هو واقع مرير تكشفه سلسلة من العمليات الموثقة التي تستهدف مسؤولين سابقين ونشطاء معارضين للنظام الإيراني، حيث تدير طهران ما يشبه “قوائم الموت” التي لا تعترف بحدود جغرافية أو حصانة دبلوماسية.
حيث يجد المراقبون أنفسهم أمام نمط متكرر من الجرائم التي تُنفذ بدقة جراحية، مما يطرح علامات استفهام كبرى حول دور أجهزة المخابرات الإيرانية في إدارة أذرع الاغتيال العابرة للحدود، وكيف تحولت أجهزة الدولة إلى أداة لترويع أي صوت يجرؤ على كشف المستور أو المطالبة بالتغيير السياسي في الداخل الإيراني.
تقارير أممية وحقوقية توثق الجرائم
ولم تكن الاغتيالات الإيرانية يومًا مجرد ادعاءات سياسية، بل وثقتها تقارير دولية رصينة وضعت النظام في مواجهة مباشرة مع القانون الدولي؛ ففي تقرير أصدره فريق مراقبة الجزاءات التابع للأمم المتحدة، تم تسليط الضوء على “النمط المنهجي للملاحقات العابرة للحدود”.
وأشار التقرير إلى وجود أدلة دامغة على تورط فيالق القدس في مراقبة وتتبع شخصيات سياسية وعسكرية سابقة خارج الأراضي الإيرانية، مع استخدام شبكات من العملاء المحليين لتنفيذ عمليات تصفية أو اختطاف قسري، في خرق صارخ لاتفاقيات فيينا للعلاقات الدبلوماسية.
وفي سياق متصل، أكدت تقارير “هيومن رايتس ووتش” ومنظمات حقوقية دولية أن طهران تعتمد استراتيجية “الترهيب الجسدي” لإسكات أي انتقادات توجه لسياساتها القمعية.
وتضمنت هذه التقارير شهادات موثقة عن “فرق اغتيال” تتحرك تحت غطاء دبلوماسي، مستخدمة جوازات سفر رسمية لتسهيل تنقلاتها، وهو ما يعد دليلاً قاطعاً على أن القرار السياسي بالقتل يصدر من أعلى هرم السلطة في طهران، ولا يعد تصرفات فردية كما تحاول الدعاية الإيرانية ترويجه أمام المجتمع الدولي.
تشريح “قوائم الموت”.. من المستهدف؟
وتعتمد طهران في اختيار أهدافها على معيار “الولاء المطلق”، حيث يتم وضع أي مسؤول سابق، أو دبلوماسي منشق، أو ناشط حقوقي يمتلك معلومات سرية حول الفساد داخل مؤسسة النظام، على قوائم الاستهداف المباشر، ولا تفرق هذه القوائم بين من غادر إيران منذ عقود أو من انشق مؤخراً، فالمبدأ الحاكم هو “الاستئصال الجسدي”، وذلك لمنع تشكيل أي بديل سياسي أو كشف ملفات تدين القيادة الإيرانية أمام المحاكم الدولية.
وتفيد تسريبات استخباراتية غربية بوجود “غرفة عمليات مركزية” تابعة لجهاز الاستخبارات، مهمتها الوحيدة هي “الرصد والتحييد”، حيث يتم توظيف تكنولوجيا التتبع المتقدمة لرصد تحركات الأهداف في الدول المضيفة.
هذه العمليات لا تهدف فقط للقتل، بل لإيصال رسالة رعب مفادها: “لا مكان آمن للمنشقين، وذراع النظام تطال الجميع مهما طالت المسافات”، وقد شملت هذه المخططات مؤخرًا شخصيات سياسية رفيعة المستوى، مما يعكس تصعيدًا في حدة التهديدات التي تطال أمن القادة والمسؤولين الغربيين أيضًا.
كما أن المحاكم الدولية، ومنها المحكمة الجنائية الدولية، بدأت فعليًا في تلقي ملفات مفصلة مدعومة بأدلة جنائية حول وقائع اغتيالات خارج الحدود، ويُتوقع أن يتم إصدار مذكرات اعتقال دولية بحق قيادات رفيعة في النظام بتهمة التخطيط لجرائم ضد الإنسانية وإن هذه المواقف تشكل ضغطاً غير مسبوق على طهران، وتجعل “قوائم الموت” التي تفتخر بها الأجهزة الأمنية الإيرانية ورقة ضغط ضد النظام نفسه في المحافل الحقوقية العالمية، مما يجعله في مواجهة معزولة مع المجتمع الدولي.
التداعيات السياسية والأمنية للاغتيالات
وأدت هذه السياسة العدائية إلى عزل إيران دولياً بشكل متزايد، حيث ترفض العديد من الدول التعامل مع السفارات الإيرانية التي ثبت تورط دبلوماسييها في أعمال إرهابية، مما يضيق الخناق على الدبلوماسية الإيرانية ويجعلها في موقف دفاعي دائم وإن تحول إيران إلى دولة تمارس “الإرهاب الرسمي” ضد معارضيها يعكس حالة من الذعر داخل النظام من فقدان الشرعية، ويؤكد أن المؤسسات الأمنية الإيرانية قد فقدت أدواتها السياسية ولم يتبقَ لديها سوى لغة القتل والتصفية.
كما ان الواقع الذي تعيشه إيران اليوم هو واقع الدولة التي تحاصر نفسها بجرائمها، فكل عملية اغتيال فاشلة أو مكشوفة تزيد من وتيرة التحقيقات الدولية وتكشف المزيد من أسرار النظام.
إن القارئ لهذا المشهد يدرك أن “قوائم الموت” ليست دليلاً على القوة، بل هي شهادة وفاة أخلاقية لنظام لم يجد وسيلة للبقاء إلا عبر تصفية خصومه، وهو مسار لن يؤدي إلا إلى تعجيل سقوطه تحت وطأة العدالة الدولية التي لا تغفل عن هذه الجرائم، فالتاريخ يثبت أن أنظمة القتل السياسي لا تبني دولاً، بل تبني مقابر لسمعتها ومستقبلها.
كما أن ما تمارسه طهران اليوم يتطلب يقظة دولية مستمرة، فالمسؤولون السابقون والنشطاء الذين تلاحقهم إيران هم شهود عيان على مرحلة مفصلية في تاريخ هذه الدولة وحمايتهم ليست مجرد التزام حقوقي، بل هي ضرورة أمنية لضمان عدم استباحة الأراضي الدولية لممارسة القتل السياسي الممنهج، وسيبقى سجل الجرائم الإيرانية مفتوحًا حتى ينال كل متورط في هذه العمليات جزاءه العادل أمام القضاء، ليعلم العالم أجمع أن دماء المعارضين والمسؤولين ليست رخيصة في ميزان العدالة الدولية.

