لطالما كان وجود الفصائل المسلحة خارج إطار الدولة هو العقبة الكؤود أمام نهضة العراق واستقراره، لكن التطورات الأخيرة كشفت عن تحول جذري في الموقف الدولي تجاه هذه التشكيلات. لم تعد بغداد اليوم أمام خيارات فضفاضة، بل باتت في مواجهة استحقاق وجودي يتمثل في “نزع السلاح” كشرط أساسي لأي شراكة استراتيجية مع الولايات المتحدة.
إن وصول المبعوث الرئاسي الأمريكي، توم باراك، إلى بغداد حاملاً رسائل حازمة من الرئيس دونالد ترامب، يمثل نقطة تحول مفصلية؛ فواشنطن لم تعد تقبل بأي مشاركة سياسية لمن تورط في تهديد أمن العراق أو عمل كذراع عابرة للحدود.
إن ما يشهده العراق اليوم هو محاولة دولية لإنهاء “دولة الميليشيات” وإعادة السلطة حصرًا إلى المؤسسات الرسمية، في خطوة تهدف إلى تحويل العراق من ساحة للصراعات إلى دولة ذات سيادة كاملة.
السلاح المنفلت: التهديد الوجودي لسيادة الدولة العراقية
تُعد ظاهرة السلاح خارج إطار الدولة، المتمثلة في كتائب حزب الله، وحركة النجباء، وكتائب سيد الشهداء، وغيرها، التحدي الأكبر الذي يواجه الحكومة العراقية.
هذه التشكيلات، التي ارتبطت تاريخيًا بولاءات عابرة للحدود، عملت لسنوات على تقويض سلطة القرار الوطني، وتحويل العراق إلى منصة لإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة التي تهدد الأمن الإقليمي.
لقد أدركت واشنطن أن التنمية الاقتصادية في العراق مستحيلة بوجود هذه المجموعات، لذا جاء الموقف الأمريكي حاسمًا: “لا مشاركة سياسية للفصائل في الحكومة، حتى وإن أعلنوا نزع سلاحهم”. وإن هذه القاعدة الجديدة تعكس وعيًا عميقًا بأن من اعتاد حمل السلاح لتهديد سيادة القانون لا يمكن الوثوق باندماجه السلمي في العملية السياسية.
مطرقة القضاء ومطالب التفكيك: حلول واشنطن للملف الأمني
لا تقتصر الرؤية الأمريكية على الشعارات، بل تتضمن مسارات عملية لمعالجة ملف الفصائل المسلحة. فقد طرح المبعوث الأمريكي خيارًا واضحًا يتمثل في اللجوء إلى القضاء العراقي لمحاسبة الجماعات التي ترفض تسليم سلاحها، خصوصًا تلك المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني.
إن مطالبة واشنطن بسحب السلاح الاستراتيجي من صواريخ وطائرات مسيّرة تعني تفكيك القدرات العسكرية التي كانت تستخدم لابتزاز الدولة العراقية.
هذا الضغط الأمريكي يسعى إلى وضع الحكومة العراقية أمام مسؤولياتها الدستورية، فإما أن تكون الدولة هي صاحبة القرار الوحيد في استخدام القوة، أو أن تبقى رهينة لمصالح جهات لا تدين بالولاء إلا لمشاريع خارجية.
الربط الاستراتيجي: الأمن شرط لجذب الاستثمارات الأمريكية
بعيدًا عن الجانب الأمني، تدرك واشنطن أن مفتاح الازدهار في العراق يكمن في خلق بيئة استثمارية آمنة. إن مشاريع الطاقة، وتطوير الحقول النفطية، وإنشاء محطات الغاز العائمة، لا يمكن أن ترى النور في ظل تهديدات الميليشيات المستمرة. لذا، ربط الجانب الأمريكي بين “الاستقرار الأمني” و”التعاون الاقتصادي” بشكل مباشر.
الشركات الأمريكية، وفقًا للمباحثات، جاهزة للبدء في مشاريع كبرى، لكنها تضع الأمن كشرط لا يمكن تجاوزه. وإن هذا التوجه يضع الحكومة العراقية في اختبار حقيقي؛ هل ستنتصر لمصالح الشعب في التنمية والاستثمار، أم ستستمر في التغاضي عن جرائم الفصائل التي أدت إلى هروب رؤوس الأموال وتدهور البنية التحتية؟
نحو عراق مستقل: تحديات التخلص من النفوذ الخارجي
إن المرحلة المقبلة تتطلب من بغداد إعادة صياغة علاقتها مع طهران ضمن الأطر الدستورية فقط، وتقليص النفوذ الإيراني الذي تغلغل في مفاصل الدولة عبر الفصائل المسلحة.
ويرى المحللون أن زيارة المبعوث الأمريكي تأتي في توقيت يشهد فيه العالم إعادة ترتيب للتحالفات الإقليمية، مما يمنح العراق فرصة ذهبية للتحرر من تبعية الفصائل. وإن “نظرية الدولة القوية” التي تتبناها واشنطن لا تهدف فقط إلى نزع السلاح، بل إلى خلق كيان سياسي عراقي قادر على حماية حدوده ومقدراته بعيدًا عن صراعات المحاور.
إن النجاح في هذه المهمة سيعيد للعراق مكانته الإقليمية، وسينهي سنوات من الانقسام والضعف التي تسببت فيها الميليشيات المسلحة.

