يعيش حزب المؤتمر الوطني “المحلول” في السودان حالة من التخبط الوجودي التي وصلت إلى مستويات غير مسبوقة، حيث يواجه التنظيم أعمق أزمة انقسام في تاريخه الطويل، مما دفع القيادي البارز علي عثمان طه لطرح مبادرة عاجلة تهدف ظاهريًا إلى “احتواء التصدع”، ولكنها في جوهرها تكشف عن حالة من الذعر داخل أروقة الجماعة التي تخشى فقدان السيطرة تمامًا على ما تبقى من نفوذها التنظيمي.
تأتي هذه التحركات في ظل انقسام حاد بين تيارين رئيسيين يسيطران على مفاصل الجماعة، حيث يقود الجناح الأول علي كرتي وأحمد هارون، في حين يتزعم الجناح المتشدد، أو “الحرس القديم”، نافع علي نافع وإبراهيم محمود حامد، وهو صراع لم يعد مقتصرًا على الغرف المغلقة، بل انتقل إلى العلن ليهدد وحدة التنظيم الذي يحاول استغلال الوضع الراهن في البلاد للعودة إلى واجهة المشهد السياسي بأي ثمن.
رهان كرتي على البرهان: التماهي مع الجيش كاستراتيجية للبقاء
يتبنى جناح علي كرتي استراتيجية سياسية قائمة على “التماهي” الكامل مع قيادة الجيش السوداني، حيث يعتقد هذا التيار أن دعم الفريق عبد الفتاح البرهان يمثل الرافعة الأساسية والوحيدة لإعادة الاعتبار للجماعة، وضمان عودتها كطرف فاعل في أي ترتيبات سياسية مستقبلية، وهو ما يراه المراقبون محاولة مفضوحة لاستخدام المؤسسة العسكرية كغطاء لإعادة إحياء مشروع “التمكين” الذي أطاحت به ثورة ديسمبر المجيدة.
يعتبر تيار كرتي، الذي يحظى بدعم “العرّاب” علي عثمان طه، أن المعركة الراهنة التي يخوضها الجيش هي الفرصة الذهبية لفرض واقع جديد يعيد عقارب الساعة إلى الوراء، حيث يعتمد هؤلاء على خلق تحالفات مرنة تضمن للجماعة الحماية السياسية، مدركين أن مصيرهم ككتلة تنظيمية بات مرتبطًا بشكل مباشر بنتيجة هذه المعارك، وهو ما يفسر حرصهم على تقديم الدعم الأيديولوجي والإعلامي للجيش لتحصين مواقعهم.
الحرس القديم ونافع علي نافع: رفض الرهان على قيادة الجيش
على الضفة الأخرى، يتبنى تيار “الحرس القديم” بقيادة نافع علي نافع موقفًا مغايرًا تمامًا، حيث يرى هؤلاء أن قيادة الجيش الحالية، التي أصدرت قرار حل الحزب بعد سقوط نظام البشير في عام 2019، لا يمكن الوثوق بها أو الرهان عليها كحليف استراتيجي لإعادة الجماعة إلى الحكم.
يتهم هذا التيار جناح كرتي بممارسة “اختطاف لمركز القرار” وتجاوز اللوائح التنظيمية الداخلية للحزب، معتبرين أن القرارات المصيرية التي اتخذها كرتي بالاقتراب من البرهان تمت دون العودة إلى المؤسسات الشورية داخل التنظيم، وهو ما أدى إلى تفاقم الخلافات التي يرى فيها مراقبون مؤشرًا واضحًا على تصدع الرؤية الاستراتيجية للجماعة وعجزها عن تقديم خطاب سياسي متماسك في ظل الأزمة الوطنية التي يمر بها السودان.
مبادرات طه: تجميد الخلافات وتأجيل الانهيار
تهدف المبادرة التي طرحها علي عثمان طه إلى “تجميد الملفات الخلافية” وتأجيل البت فيها، مع الإبقاء على نشاط القطاعات الفاعلة كقطاعات الطلاب والشباب والمجموعات التعبوية، وذلك خوفًا من أن يؤدي أي تغيير جوهري في هياكل الحزب حاليًا إلى انفجار الصراع الداخلي وخروج الأمور عن السيطرة بشكل نهائي.
يعتقد الخبراء أن طه، الذي لا يزال يسعى إلى ممارسة دور “العرّاب” من وراء الستار، يدرك جيدًا أن الحزب في أضعف حالاته، وأن أي محاولة لإجراء هيكلة حقيقية ستكشف الفجوة الكبيرة بين الأجنحة، مما سيؤدي حتمًا إلى تفتت الجماعة إلى كيانات صغيرة متناحرة، وبالتالي ضياع فرص العودة إلى المشهد السياسي.
استثمار الفوضى: مستقبل السودان في قبضة الإخوان
يدرك قادة حزب المؤتمر الوطني “المحلول” أن فرصة عودتهم لا تعتمد فقط على انتصار الجيش، بل تتغذى أيضًا على حالة “الفوضى الشاملة” التي توفر لهم بيئة مناسبة للعمل بحرية بعيدًا عن الرقابة، حيث تعمل الجماعة على استغلال الانشغال بالحرب لتوسيع نفوذها في القطاعات الخدمية والمجتمعية التي لا تزال تحت سيطرتهم.
إن السودان اليوم يقف أمام مفترق طرق خطير، حيث تحاول بقايا النظام البائد استخدام كافة أوراقها لعرقلة أي مسار نحو التحول المدني الديمقراطي، مراهنةً على إطالة أمد الصراع لإرهاق القوى الثورية وإضعاف الدولة، مما يضع مستقبل البلاد في قبضة تنظيم لا يهمه إلا استعادة السلطة مهما كانت التكلفة التي يدفعها الشعب السوداني من دماء ومكتسبات.
وتظل محاولات علي عثمان طه وغيره من قيادات “المؤتمر الوطني” مجرد محاولات يائسة لإعادة تدوير نظام سقط بإرادة شعبية، وما صراع الأجنحة الحالي إلا دليل قاطع على أن الشرعية التنظيمية للجماعة قد تآكلت، وأن رهانهم على الجيش السوداني ليس إلا مغامرة أخرى تضاف إلى سجل إخفاقاتهم التاريخية التي أدت إلى تمزيق نسيج الوطن.
إن التحدي الحقيقي أمام الشعب السوداني اليوم يكمن في إدراك خطورة هذه التحركات الملتوية التي تحاول إيهام الرأي العام بأن الجماعة قد تغيرت، بينما الحقيقة تؤكد أنهم لا يزالون يمارسون ذات السياسات الإقصائية، مستخدمين مختلف الأدوات لإعادة فرض أجندتهم التي رفضها السودانيون، ولن يقبلوا بعودتها أبدًا.

