ذات صلة

جمع

الهروب من الاعتراف بالكارثة.. كيف يحاول البرهان التغطية على الانكسارات الميدانية؟

دخلت الحرب في السودان منعطفًا كارثيًا ألقى بظلاله الثقيلة...

هل يدخل الاقتصاد اللبناني مرحلة “الموت السريري” بفعل الركود التضخمي؟

عندما تسير في شوارع بيروت النابضة بالحياة ليلاً، قد...

قلعة الشقيف بجنوب لبنان.. موقع استراتيجي يتصدر المشهد من جديد

عادت قلعة الشقيف التاريخية في جنوب لبنان إلى دائرة...

السر في الرقائق.. كيف منحت الإلكترونيات الصينية الطائرات الروسية ميزة مضادة للتشويش؟

على بعد مئات الكيلومترات عن خطوط المواجهة المشتعلة في أوكرانيا، وتحديدًا في عمق جمهورية تتارستان, يربض مجمع “ألابوغا” الصناعي الروسي كشاهد عيان على أكبر تحول تكنولوجي وعسكري يشهده مسرح الحروب الحديثة.

حيث نجحت موسكو في تحويل منطقة اقتصادية خاصة إلى مدينة عسكرية مصغرة متكاملة لإنتاج الطائرات المسيرة الانتحارية بوتيرة تصاعدية مرعبة.

هذا المجمع الضخم الذي استقطب عشرات الآلاف من العمالة المتخصصة من مختلف دول العالم وبنى مجمعات سكنية متكاملة لخدمتهم، استطاع القفز بمعدلات الإنتاج اليومي لمسيرات “شاهد-136” من مجرد 10 طائرات يوميًا في عام 2023 إلى ما يزيد على 404 طائرات يوميًا في الوقت الراهن, مستهدفًا كسر حاجز الـ 10,000 وحدة شهريًا بحلول نهاية عام 2026.

ورغم أن عمليات التجميع والهيكلة تجري على الأراضي الروسية, إلا أن السر الحقيقي وراء هذه القفزة الكمية والتطور النوعي الهائل يكمن في التدفق المستمر والمنظم للمكونات الإلكترونية وأشباه الموصلات المتقدمة القادمة من بكين, والتي لم تكتفِ بتأمين سلاسل الإمداد بل منحت هذه الطائرات عقولاً رقمية جديدة جعلتها قادرة على مواجهة وتجاوز أعقد أنظمة التشويش وحرب الإلكترونيات الغربية التي يعتمد عليها الجيش الأوكراني لحماية أجوائه.

هندسة الترقية التكنولوجية والرقائق القابلة للبرمجة لتجاوز المنظومات الدفاعية

تؤكد التقارير والتحليلات الجيوسياسية الصادرة عن معاهد دراسات الحرب والأمن الدولي، ومنها ما نشرته صحيفة “تلغراف” البريطانية، أن الصين أصبحت بمثابة الداعم الرئيسي والمغذي الفعلي للمجمع الصناعي العسكري الروسي من خلال تزويده بالرقائق الإلكترونية الدقيقة التي تمثل عصب الطائرات المسيرة.

وتكشف بيانات الاستخبارات الأوكرانية وفحص حطام الطائرات المسقطة، أن ما لا يقل عن 65% من المكونات الداخلية لمسيرات “شاهد” المصنعة في ألابوغا هي صينية المنشأ، حيث تشمل هذه الشحنات مصفوفات البوابات المنطقية القابلة للبرمجة، وهوائيات الاستقبال عالي الدقة، والبطاريات المتطورة، إلى جانب إلكترونيات الطيران المعقدة.

هذه المكونات الرخيصة والمتاحة بكميات ضخمة لم تسهم فقط في تأمين استمرار عجلة الإنتاج الروسية بعيدًا عن مقصلة العقوبات الغربية, بل أحدثت ثورة حقيقية في الخصائص الفنية للمسيرات التي طورت من مداها العملياتي, وخفضت بصمتها الرادارية لتصبح عصية على الكشف المبكر، فضلاً عن تزويدها بأنظمة ملاحة ذكية معززة بآليات مضادة للتشويش الإلكتروني والاعتباري النبضي.

وتكمن أهمية هذه الإلكترونيات المتقدمة القابلة للبرمجة في قدرتها على عزل الترددات والموجات المضادة التي تطلقها وحدات الدفاع الجوي الأوكرانية لإرباك الطائرات المسيرة وإجبارها على السقوط.

فالمصفوفات المنطقية الصينية تمنح المسيرة القدرة على المناورة الترددية التلقائية والتبديل السريع بين قنوات الاتصال بالاقمار الصناعية فور استشعار أي محاولة تشويش خارجي, وهو ما يضمن وصول الطائرة إلى إحداثياتها المحددة سلفاً بدقة تامة.

هذا التحديث التكنولوجي غيّر موازين القوى في معارك الأجواء، حيث جرى تصميم طائرات شاهد لتكون رخيصة للغاية بالنظر لكلفة الصواريخ الدفاعية الغربية, لتلجأ موسكو إلى تكتيك “الإغراق الجوي” من خلال إطلاق أسراب ضخمة تجاوزت في شهر واحد حاجز الـ 8000 مسيرة، والهدف هو إشغال وإرباك منظومات الرادار والاعتراض الصاروخي الصديقة، لتسهيل عملية اختراق الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز المصاحبة لها نحو الأهداف الاستراتيجية في عمق المدن.

اقتصاديات ألابوغا العسكرية وسيناريوهات المواجهة الغربية لعام 2026

إلى جانب الطفرة التقنية, حققت المكونات الصينية مكاسب اقتصادية هائلة للمخططين العسكريين في الكرملين، إذ ساهمت في خفض التكلفة الإنتاجية للمسيرة الواحدة من 20 ألف دولار عندما كانت روسيا تستوردها جاهزة بالكامل في خريف عام 2022, إلى ما يتراوح بين 7 آلاف و10 آلاف دولار فقط بعد توطين إنتاجها محليًا في مجمع ألابوغا بموجب اتفاقية مالية ضخمة بلغت قيمتها 1.75 مليار دولار.

هذا التوفير المالي الضخم سمح لموسكو بالتوسع الأفقي في تشييد المصانع وخطوط إنتاج الهياكل المصنوعة من ألياف الكربون الخفيفة، لتتحول الشراكة غير الرسمية والسرية في بدايات الحرب إلى مؤسسة صناعية عملاقة تضم عشرات المباني الجديدة ومراكز التدريب المهني التي تستوعب آلاف الأفراد لتأمين المتطلبات البشرية والمادية اللازمة لترسيخ مكانة روسيا كقوة مصنعة للمسيرات الذكية.

أمام هذا المشهد المتسارع، يجمع المحللون العسكريون ومسؤولو الأمن القومي في الغرب على أن استمرار هذا التدفق التكنولوجي من بكين نحو تتارستان يضع الكتل الدولية أمام خيارات استراتيجية معقدة وصعبة للغاية بحلول نهاية عام 2026.

وتتلخص سيناريوهات المواجهة القادمة في اتجاهين لا ثالث لهما؛ إما أن يتحرك المجتمع الغربي وحلف شمال الأطلسي بشكل حازم لفرض عقوبات خانقة وغير مسبوقة على الشركات الصينية المزودة لأشباه الموصلات وإجبار بكين على الكشف عن بياناتها التجارية المخفية، أو أن تجد القوات الأوكرانية وسيلة عسكرية وتكنولوجية متطورة لشن ضربات صاروخية أو هجمات بمسيرات بعيدة المدى تستهدف قلب مصانع ألابوغا في عمق الأراضي الروسية لتعطيل خطوط الإنتاج من منبعها.

وطالما ظلت سلاسل الإمداد الآسيوية تتدفق بسلاسة، فإن معركة الاستنزاف الجوي ستستمر لصالح موسكو، مدعومة بعقول إلكترونية شرقية تصنع ملامح جديدة لحروب المستقبل الجوية.