ذات صلة

جمع

خلف جدران الكرملين.. لماذا قررت موسكو “سحق” خلايا الإخوان النائمة الآن؟

تتصاعد حدة التوترات الأمنية داخل الأراضي الروسية في أعقاب...

خارطة الطريق الدولية لغزة.. كيف سينتهي عصر الفوضى المسلحة في القطاع؟

تقف غزة اليوم عند منعطف تاريخي يحدد مصير ملايين...

الدولة المخطوفة.. كيف أدى تغلغل حزب الله في الأمن اللبناني إلى العقوبات الأمريكية؟

تعيش الدولة اللبنانية لحظات مفصلية في تاريخها الحديث، حيث...

دستور الثورة الزائف.. كيف وظف الإخوان القوانين طوال عقد كامل لنهب مقدرات تونس؟

تميزت فترة صياغة الدستور التونسي السابق، والمعروف إعلاميًا بدستور...

اليورانيوم الإيراني على طاولة التفاوض.. واشنطن تضغط وطهران تقترب من التنازل

دخل ملف اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب مرحلة جديدة من...

خلف جدران الكرملين.. لماذا قررت موسكو “سحق” خلايا الإخوان النائمة الآن؟

تتصاعد حدة التوترات الأمنية داخل الأراضي الروسية في أعقاب حملة اعتقالات واسعة النطاق نفذتها الأجهزة الأمنية في سانت بطرسبورغ ومناطق موردوفيا وساراتوف، مستهدفة شخصيات دينية بارزة ترتبط بشكل مباشر بجماعة الإخوان المسلمين، المصنفة كمنظمة إرهابية داخل روسيا منذ عام 2003.

حيث تشير التقارير الاستخباراتية إلى أن هذه الحملة ليست مجرد إجراء روتيني، بل هي تحول استراتيجي في العقيدة الأمنية للكرملين لمواجهة محاولات “التسلل الناعم” التي تنتهجها الجماعة للسيطرة على مفاصل المجتمع وتغيير هويته الوطنية من الداخل.

تأتي هذه التطورات الدراماتيكية بعد تسريبات وتصريحات علنية أطلقها المسؤول الشيشاني السابق رسلان كوتاييف، والتي أماطت اللثام عن أجندات خفية لنفوذ الإسلام السياسي في موسكو.

حيث أشار بوضوح إلى إمكانية تحول هذه الجماعات إلى قوة حاسمة في حال حدوث أي اهتزاز في استقرار الحكم، وهي تصريحات اعتبرتها الدوائر الأمنية في روسيا بمثابة “إعلان حرب” مبطن، مما دفع بجهاز الأمن الفيدرالي الروسي إلى التحرك الفوري لتفكيك ما وصفه الخبراء بـ “الخلايا النائمة” التي كانت تراهن على التمدد تحت غطاء الاندماج الاجتماعي والعمل الدعوي.

سياق التصنيف الإرهابي: لماذا حظرت روسيا الجماعة منذ 2003؟

لم يكن قرار المحكمة العليا الروسية في فبراير 2003 بإدراج جماعة الإخوان ضمن قوائم الإرهاب مجرد إجراء إداري، بل كان استجابة استراتيجية لتورط عناصر مرتبطة بالتنظيم في دعم الحركات المتشددة في شمال القوقاز خلال فترات الحروب الأهلية والتمرد المسلح، حيث رأت موسكو حينها أن الأفكار الإخوانية توفر “الغطاء الفكري والشرعي” للتنظيمات العابرة للحدود التي تستهدف وحدة الأراضي الروسية، واستمر هذا النهج كحجر زاوية في الأمن القومي الروسي لمنع أي محاولة لإقامة كيانات موازية للدولة.

اليوم، يتجدد هذا التهديد بأدوات أكثر حداثة وخبثًا، حيث تتبع الجماعة استراتيجية “الخطاب المزدوج” التي تعتمد علناً على إظهار الاحترام للقوانين الروسية، بينما تعمل في الخفاء على بناء هياكل موازية تهدف إلى التغلغل داخل المؤسسات الاجتماعية والإدارية، وقد أدركت روسيا مؤخرًا أن استمرار غض الطرف عن هذه الأنشطة قد يؤدي إلى خلق “مجتمعات منعزلة” داخل الدولة، وهو ما دفع الكرملين إلى تبني سياسة “الأرض المحروقة” تجاه أي نشاط تنظيمي يحمل بصمات الإخوان، بدءاً من الرقابة المشددة على الأنشطة الدينية وصولاً إلى الاعتقالات المباشرة للقيادات.

التسلل الناعم: كيف تُدار اللعبة في الغرف المغلقة؟

يؤكد الباحثون في شؤون الإسلام السياسي، أن تنظيم الإخوان لا ينظر إلى نفسه كـ “ضيف” على الدول التي تستضيفه، بل يعتبرها ساحة مفتوحة لـ “التمكين”، حيث يرتكز عملهم في روسيا على استغلال هامش الحرية والمساحات الرمادية في القوانين لبناء قواعد نفوذ تدريجية.

وقد ظهر ذلك جليًا في الممارسات التي رصدتها الأجهزة الأمنية في سانت بطرسبورغ وساراتوف، حيث استغلت بعض الشخصيات مواقعها كقيادات دينية لفتح قنوات اتصال مع هياكل أجنبية مشبوهة، وهو ما يعتبره خبراء الأمن الروسي انتهاكًا صارخًا للسيادة الوطنية وخطرًا وجوديًا يستوجب الاستئصال.

هذه الاستراتيجية التي تعتمد على “التسلل الناعم” داخل المؤسسات العامة، والمحاولات المستمرة للسيطرة على الفضاء الديني، أصبحت مكشوفة تمامًا أمام جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، الذي بدأ بالفعل في ملاحقة المفتين والقيادات المتورطة في قضايا فساد ورشاوى وعلاقات خارجية غير قانونية، حيث لم يعد مقبولاً لدى الكرملين أن تدار الشؤون الدينية في البلاد بأجندات مرتبطة بتنظيمات خارجية تسعى لاستخدام الدين كحصان طروادة لتقويض الاستقرار السياسي والمجتمعي داخل روسيا الاتحادية.

ملاحقة القيادات: تفكيك شبكات النفوذ في المناطق

تطال حملة الاعتقالات الحالية أسماء بارزة كانت تُعتبر حتى وقت قريب “واجهات مقبولة” داخل المجتمعات الإسلامية الروسية، ومنهم المفتي المؤقت لموردوفيا، رائل-خزرات أساينوف، ومفتي كاريليا السابق وسام علي باردفيل، وغيرهم من شيوخ المناطق الذين ثبت تورطهم في أنشطة مشبوهة.

حيث يمثل هذا التحرك مؤشرًا قويًا على أن روسيا انتقلت من مرحلة “المراقبة” إلى مرحلة “التصفية”، بعدما أثبتت التحقيقات وجود صلات وثيقة بين هؤلاء الأشخاص ومخططات تهدف لزعزعة استقرار الدولة، وهو ما يفسر الضغط الأمني الكبير الذي يشهده ملف الإخوان حاليًا.

إن استجابة السلطات الروسية لمطالب المدونين العسكريين والأوساط القومية المؤيدة للدولة، الذين طالبوا بفتح تحقيقات بشأن “الإدارة الروحية” للمسلمين، يعكس انخراطًا شعبيًا ومؤسسيًا واسعًا في مواجهة هذا التهديد.

حيث أصبح الرأي العام الروسي يرى في أنشطة الإخوان تهديداً مباشراً للنسيج الاجتماعي، مما منح الأجهزة الأمنية ضوءًا أخضر لتكثيف حملاتها وتجفيف منابع التمويل والاتصال التي تعتمد عليها الجماعة في استدامة وجودها داخل البلاد.

رؤية استراتيجية: هل انتهى زمن غض الطرف؟

تدرك القيادة الروسية اليوم، بشكل أكثر وضوحًا من أي وقت مضى، أن الجماعات العابرة للحدود لا يمكن تطويعها أو توظيفها سياسيًا كما كان يُظن في فترات سابقة، فالأخطار الأمنية التي أنتجتها هذه التنظيمات في أماكن أخرى من العالم باتت تضغط بقوة على صانع القرار في موسكو لتغيير قواعد اللعبة.

حيث لم يعد هناك مكان للتهاون مع من يحاول استغلال التسامح الديني لبناء أجندة سياسية معادية للدولة الروسية، وهذا التحرك الأخير هو رسالة واضحة بأن سيادة الدولة هي الخط الأحمر الذي لا يمكن تجاوزه تحت أي مسمى ديني أو حقوقي.

إن المعركة الروسية ضد التنظيمات المتشددة هي معركة من أجل الحفاظ على هوية الدولة واستقرارها، وهي معركة مستمرة تتطلب يقظة أمنية دائمة وتفكيكًا مستمرًا لكل خلايا التغلغل التي تحاول بناء كياناتها داخل المجتمع، وبينما يستمر الكرملين في ملاحقة العناصر المرتبطة بالإخوان، يظل الهدف الأسمى هو استعادة السيطرة الكاملة على الفضاء الديني والإداري لضمان أن تظل الولاءات الوطنية هي الأساس الذي تقوم عليه البلاد، في وجه كل من يحاول العبث بأمنها أو استقرارها.