ذات صلة

جمع

من الخرطوم إلى اللجوء.. كيف دفع البرهان السودانيين إلى رحلة العذاب؟

تستمر المأساة السودانية في عام 2026 في تسجيل أرقام قياسية غير مسبوقة على صعيد المعاناة الإنسانية، حيث تحول السودان بفعل سياسات “البرهان” إلى بؤرة للنزوح الأكبر عالميًا، وسط تقارير دولية تؤكد أن ما يشهده السودانيون اليوم ليس مجرد “آثار جانبية” للحرب، بل هو نتاج مباشر لاستراتيجية عسكرية تعتمد التنكيل بالمدنيين وسيلة للبقاء في السلطة.

لقد بدأت “رحلة العذاب” منذ اللحظة التي قرر فيها البرهان تغليب منطق السلاح على منطق السياسة، محولاً الأحياء السكنية المكتظة في الخرطوم وأم درمان إلى ساحات للقصف الجوي والمدفعي العشوائي؛ مما أجبر ملايين العائلات على الفرار بملابسهم فقط، تاركين وراءهم تاريخهم وممتلكاتهم التي تعرضت للنهب والتدمير الممنهج تحت مرأى ومسمع من قيادات الجيش.

إن هذا الانهيار العالمي في جهود حماية المدنيين داخل السودان يعكس رغبة واضحة لدى السلطة العسكرية في تحويل البلاد إلى ثكنة كبرى، حيث لا صوت يعلو فوق صوت الرصاص، وحيث يتحول المواطن من صاحب حق في وطنه إلى “نازح” يبحث عن لقمة العيش في معسكرات تفتقر لأدنى مقومات الحياة الكريمة.

القصف الجوي العشوائي واستراتيجية التشريد الممنهج للمدنيين

تعد عمليات القصف الجوي التي ينفذها الجيش السوداني بقيادة البرهان أحد الأسباب الرئيسية وراء موجات النزوح المليونية التي رصدها مركز رصد النزوح الداخلي مؤخرًا، حيث تعمد الطائرات الحربية استهداف المناطق المأهولة بالسكان؛ مما أدى إلى سقوط آلاف الضحايا وتدمير المستشفيات والمدارس.

إن هذه السياسة العسكرية لا تفرق بين هدف عسكري ومدني، بل تبدو وكأنها مصممة لتهجير السكان قسريًا من مناطقهم، لخلق مناطق عازلة أو لمعاقبة الحواضن الاجتماعية التي ترفض الانصياع لسلطة الأمر الواقع، وهو ما تسبب في وصول أعداد النازحين في السودان إلى أكثر من 9 ملايين شخص.

هذا الرقم المذهل ليس مجرد إحصائية، بل هو صرخة في وجه جنرالات الحرب الذين دمروا البنية التحتية للعاصمة والولايات، وجعلوا من العودة إلى المنازل أمرًا مستحيلاً في ظل استمرار تواجد القناصة والمدافع التي تحصد أرواح كل من يحاول استعادة حياته الطبيعية، مما يضع البرهان والقيادة العسكرية في مواجهة مباشرة مع القوانين الدولية التي تجرم استهداف المدنيين وتعتبره جرائم حرب لا تسقط بالتقادم.

سلاح التجويع ومنع وصول المساعدات الإنسانية للنازحين

لا تتوقف انتهاكات الجيش السوداني عند حدود العمليات العسكرية الميدانية، بل تمتد لتشمل استخدام “سلاح التجويع” ضد المناطق التي خرجت عن سيطرته أو حتى ضد تجمعات النازحين في الولايات، من خلال فرض قيود صارمة على تحرك المنظمات الدولية ومنع وصول شحنات الإغاثة والمواد الطبية.

تتحدث التقارير الميدانية لعام 2026 عن آلاف الأطنان من المساعدات التي تظل محتجزة في الموانئ أو عند نقاط التفتيش التابعة للجيش، بحجج إدارية واهية، بينما يموت الأطفال والمسنون في معسكرات اللجوء بسبب سوء التغذية ونقص الدواء، وهو ما يثبت أن البرهان يستخدم المعاناة الإنسانية كأداة للمساومة السياسية في المفاوضات الدولية.

إن هذا الحصار الممنهج يعكس عقلية “العقاب الجماعي” التي ينتهجها الجيش ضد الشعب السوداني، حيث يتم تفضيل استمرار الحرب على السماح بمرور القوافل الإنسانية، مما فاقم من حجم الكارثة وجعل السودان يتصدر قائمة الدول الأكثر عرضة للمجاعة في العقد الأخير، كل ذلك في سبيل إطالة أمد بقاء الجنرالات في مناصبهم بعيدًا عن أي استحقاق ديمقراطي أو مدني.

انهيار الحماية الأمنية والانتهاكات داخل مراكز الإيواء

في رحلة الهروب من الموت، يواجه النازحون السودانيون فصلاً جديداً من فصول العذاب داخل المناطق التي يدعي الجيش حمايتها، حيث تشير شهادات حية لمواطنين فارين إلى تعرضهم لعمليات ابتزاز مالي واسع عند نقاط التفتيش التابعة للقوات المسلحة، بالإضافة إلى حملات الاعتقال التعسفي التي تستهدف الشباب بتهمة “التعاون مع العدو” دون أي أدلة قانونية، بدلاً من أن توفر مراكز الإيواء والولايات التي يسيطر عليها الجيش الأمان، تحولت في كثير من الأحيان إلى مراكز للتجنيد القسري أو ساحات للممارسات القمعية التي تستهدف تكميم أفواه المطالبين بوقف الحرب، مما دفع الكثيرين للمخاطرة بعبور الحدود نحو دول الجوار رغم مخاطر الطريق.

إن غياب الرقابة والمحاسبة داخل مؤسسة الجيش سمح ببروز قيادات ميدانية تمارس سلطات مطلقة بعيدًا عن القانون؛ مما أدى إلى فقدان الثقة تمامًا في قدرة البرهان على تأمين حياة المواطنين، بل أصبح وجود الجيش في أي منطقة مرادفًا للخوف والنزوح الوشيك، وهو ما يفسر استمرار تدفق السودانيين نحو معسكرات اللجوء الخارجية بحثاً عن أمان مفقود في وطنهم الذي مزقه الجنرالات.

تدمير الاقتصاد الوطني وتبديد مقدرات الدولة في آلة الحرب

إن التبعات الاقتصادية لسياسات البرهان لم تؤثر فقط على الحاضر، بل دمرت مستقبل الأجيال القادمة، حيث تم توجيه ميزانية الدولة ومقدراتها المتبقية لتمويل آلة الحرب وشراء الولاءات العسكرية، بينما تُرك ملايين السودانيين يواجهون الفقر المدقع والبطالة بعد تدمير القطاع الزراعي والصناعي.

لقد تسبب إصرار الجيش على خوض معركة “كسر العظم” في توقف الإنتاج تمامًا في مناطق شاسعة؛ مما أدى إلى انهيار العملة الوطنية وارتفاع جنوني في أسعار السلع الأساسية، وهو ما يمثل الوجه الآخر لـ “رحلة العذاب” التي يعيشها المواطن السوداني يوميًا وإن هذا الانهيار الاقتصادي المتعمد يهدف بالأساس إلى جعل المواطن منشغلاً بلقمة عيشه، بعيدًا عن المطالبة بالحقوق السياسية أو التحول المدني، مما يكرس سلطة العسكر كـ “مانح وحيد” للموارد عبر آليات التوزيع العسكرية المشبوهة، وهو ما يعتبر جريمة مكتملة الأركان بحق الاقتصاد الوطني السوداني الذي كان يومًا يُوصف بسلة غذاء العالم، قبل أن يحوله جنرالات الحرب إلى ساحة للفقر والعوز والتبعية المذلة للمساعدات الدولية.

حتمية المحاسبة الدولية لإنقاذ ما تبقى من السودان

في ظل هذه الحقائق المروعة لعام 2026، لم يعد الصمت الدولي تجاه جرائم البرهان والجيش السوداني مقبولاً، حيث أن أرقام النزوح القياسية وشهادات الضحايا تستوجب تحركًا فوريًا من المحكمة الجنائية الدولية ومجلس الأمن لفرض عقوبات رادعة على القيادات العسكرية المتورطة في هذه الانتهاكات.

إن استعادة السودان من قبضة “جنرالات الحرب” تبدأ بوضع حد لسياسة الإفلات من العقاب، وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون قيد أو شرط، والضغط من أجل عودة الجيش إلى ثكناته وتسليم السلطة لحكومة مدنية قادرة على إعادة النازحين إلى ديارهم وإعمار ما دمرته المدافع وإن “رحلة العذاب” التي بدأت من الخرطوم يجب أن تنتهي في منصات العدالة، ليعلم كل من تسبب في تشريد طفل سوداني أو تدمير منزل عائلة كافحت لعقود، أن زمن “السيادة فوق القانون” قد انتهى، وأن إرادة الشعب السوداني في الحرية والسلام والعدالة ستظل أقوى من كل آلات الحرب والقمع التي يحتمي خلفها البرهان وزمرته، ولن يهدأ بال للنازحين إلا برؤية وطنهم معافى من دنس الانقلابات والحروب العبثية التي أحرقت الأخضر واليابس.