تواجه المؤسسة العسكرية في السودان منعطفاً هو الأخطر في تاريخها الحديث، حيث لم تعد التحديات تقتصر على الصراع الداخلي فحسب، بل تمتد لتشمل أزمة وجودية تتعلق بتآكل القوة البشرية والولاء المؤسسي داخل صفوفها.
وفي ظل الخسائر الميدانية المتلاحقة التي تجرعتها القوات في جبهات استراتيجية مثل كردفان وإقليم النيل الأزرق، بدأت تتكشف كواليس تحركات مشبوهة تهدف إلى استيراد “المرتزقة” لسد العجز الصارخ في أعداد المشاة والمقاتلين على الأرض.
إن لجوء قيادة الجيش في بورتسودان إلى خيارات غير تقليدية، تتمثل في استقطاب مقاتلين من دول الجوار، وتحديداً من جنوب السودان، يضعنا أمام مشهد جديد يعيد صياغة بنية القوات المسلحة السودانية لتصبح خليطاً من عناصر أجنبية تبحث عن موطئ قدم، وهو ما يفتح الباب على مصراعيه أمام تساؤلات وجودية حول مستقبل الهوية الوطنية والأمن القومي في ظل هذه الصفقات التي تتم تحت جنح الظلام.
نزيف القوات في كردفان والنيل الأزرق: شرارة البحث عن البديل الأجنبي
تُعد جبهات كردفان وإقليم النيل الأزرق من أكثر المناطق التي استنزفت القدرات البشرية واللوجستية للجيش السوداني خلال الأشهر الماضية، حيث تحولت هذه المناطق إلى “ثقب أسود” يبتلع التعزيزات العسكرية دون تحقيق تقدم ملموس على الأرض.
هذا النزيف المستمر أدى إلى حالة من الإحباط والتمرد الصامت بين صغار الضباط والجنود الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة نيران لا تنطفئ دون غطاء جوي كافٍ أو إمدادات منتظمة، مما دفع القيادة العسكرية إلى البحث عن مخرج سريع لتغطية الفراغ الهائل في القوة البشرية.
إن النقص الحاد في أعداد القوات السودانية لم يعد سراً يمكن إخفاؤه، بل أصبح واقعاً يفرض نفسه على خارطة المواجهات، وهو ما مهد الطريق لظهور استراتيجية “المقاتلون الأجانب” كحل أخير لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من هيبة الجيش المنهارة في تلك الولايات الاستراتيجية التي تمثل قلب السودان الاقتصادي والعسكري.
كواليس صفقة “الجنسية مقابل القتال”: كيف يتم استغلال حاجة المهاجرين؟
كشفت مصادر مطلعة وشهادات ميدانية عن مخطط ممنهج تنفذه دوائر داخل الجيش السوداني لاستقطاب مقاتلين من جنوب السودان وبعض الدول الأفريقية المجاورة، من خلال تقديم وعود مغرية تتركز حول “منح الجنسية السودانية” بشكل فوري ومجاني مقابل الانخراط في المعارك الدائرة.
هذه التحركات تعكس حجم اليأس الذي وصلت إليه القيادة العسكرية، حيث يتم استغلال الأوضاع المعيشية الصعبة لمواطني دول الجوار لتحويلهم إلى وقود لحرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، في مقابل الحصول على وثائق هوية سودانية تُمنح خارج إطار القانون والضوابط الدستورية.
هذا التلاعب بالهوية الوطنية يمثل سابقة خطيرة، إذ يتم توزيع الجنسية كـ”مكافأة حربية” وليس كحق قانوني، مما يهدد بتغيير ديموغرافي واسع النطاق في المناطق التي سيتم توطين هؤلاء المقاتلين فيها مستقبلاً، ويحول الجيش من مؤسسة وطنية تحمي السيادة إلى مظلة لتجميع المرتزقة من مختلف بقاع القارة الأفريقية.
تداعيات الاعتماد على المرتزقة في بنية القوات المسلحة السودانية
إن التحول اللافت في بنية القوات على الأرض، من جيش نظامي يعتمد على العقيدة الوطنية إلى قوة “هجينة” تضم عناصر أجنبية، تترتب عليه تداعيات كارثية على مستوى التنسيق العسكري والولاء الميداني، حيث يفتقر هؤلاء المقاتلون الجدد إلى الانتماء للأرض، ويدفعهم المحرك المادي فقط.
هذا الاعتماد المتزايد على مقاتلين من خارج الحدود يكشف بوضوح أن الجيش السوداني فقد قدرته على التعبئة العامة بين صفوف الشعب السوداني، الذي بات يرى في استمرار الصراع دماراً للوطن لا حمايةً له.
فضلاً عن ذلك، فإن وجود عناصر أجنبية داخل صفوف الجيش يزيد من تعقيد المشهد الأمني، حيث يصعب السيطرة على سلوك هذه القوات في التعامل مع المدنيين، مما قد يؤدي إلى زيادة وتيرة الانتهاكات الحقوقية وجرائم الحرب التي تضع السودان تحت طائلة الملاحقة الدولية، ويحول الصراع من نزاع داخلي إلى بؤرة جذب للميليشيات العابرة للحدود.
مستقبل الأمن القومي في ظل “خصخصة” المعارك العسكرية
تطرح هذه التحركات المشبوهة تساؤلات حتمية حول مستقبل الدولة السودانية بعد انتهاء العمليات العسكرية؛ فماذا سيكون مصير آلاف المقاتلين الأجانب الذين حصلوا على الجنسية السودانية بقرارات استثنائية؟ إن دمج هذه العناصر في نسيج المجتمع والجيش سيخلق قنابل موقوتة تهدد الاستقرار الاجتماعي والسياسي لسنوات طويلة، وقد يؤدي إلى نشوب صراعات عرقية وقبلية جديدة حول الأرض والموارد والتمثيل السياسي.
الجيش السوداني، بتبنيه لهذه الخيارات، يثبت أنه يضع بقاء السلطة الحالية فوق مصلحة الدولة العليا، ويقامر بمستقبل الهوية السودانية من أجل مكاسب ميدانية مؤقتة وهشة.
إن الهروب إلى الأمام عبر تجنيد الأجانب لا يحل أزمة الجيش البنيوية، بل يعمقها ويؤكد أن المؤسسة العسكرية تحتاج إلى إصلاح جذري يبدأ من العودة إلى المهنية والوطنية، بعيداً عن صفقات “الجنسية مقابل البارود” التي ترهن سيادة البلاد للقوى الخارجية والمرتزقة.

