لم تكن الصرخات التي تعالت من أزقة حلب القديمة أو ركام حي القصير بريف حمص مجرد أصداء للحرب السورية المستعرة، بل كانت إعلانًا دمويًا عن انخراط قوى عابرة للحدود في صياغة واقع جديد لسوريا، حيث برز الدور الإيراني كأحد أكثر القوى إثارة للجدل والاتهامات الدولية.
اليوم، وفي ظل التطورات السياسية المتلاحقة واللقاءات الرفيعة التي تجمع طهران بموسكو، وآخرها لقاء وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أبريل 2026، يتجدد التساؤل حول الثمن الذي دفعه الشعب السوري نتيجة هذا التحالف، وما هي طبيعة الجرائم التي تُتهم الميليشيات التابعة لإيران بارتكابها تحت غطاء “الدفاع عن المقامات” أو “محاربة الإرهاب”.
إن ما يحدث في سوريا لم يعد مجرد تدخل عسكري لدعم حليف سياسي، بل تحول بمرور السنوات إلى عملية ممنهجة لإعادة هندسة المجتمع السوري ديمغرافيًا وعقائديًا، وهو ما تصفه تقارير حقوقية دولية بأنه يرقى إلى “جرائم حرب” و”جرائم ضد الإنسانية” لا يمكن أن تسقط بالتقادم.
عراقجي وبوتين: الغطاء السياسي للانتهاكات الميدانية
تأتي زيارة عباس عراقجي الأخيرة إلى موسكو في أبريل 2026 لتؤكد عمق التحالف الاستراتيجي بين البلدين، حيث صرح عراقجي بوضوح: أن “روسيا وقفت دائمًا إلى جانب إيران في أصعب الظروف”، وهذا التصريح يحمل في طياته دلالات خطيرة تتجاوز التعاون الدبلوماسي؛ فهو يمنح الميليشيات الإيرانية العاملة في سوريا حصانة سياسية دولية تجعل من الصعب ملاحقة قادتها قضائيًا، هذا التنسيق الروسي الإيراني ساهم بشكل مباشر في تثبيت نفوذ الحرس الثوري الإيراني والميليشيات التابعة له مثل “حزب الله” و”فاطميون” و”زينبيون”.
حيث استغلت هذه القوى الانشغال الدولي بملفات أخرى لترسيخ وجودها العسكري في نقاط استراتيجية حساسة، محولةً مناطق واسعة في ريف دمشق ودير الزور إلى محميات إيرانية مغلقة يمنع على الدولة السورية نفسها أحياناً ممارسة سيادتها فيها.
إن هذا الغطاء السياسي الذي توفره موسكو لطهران يمنح الأخيرة الضوء الأخضر لمواصلة عملياتها العسكرية التي تفتقر لأدنى معايير القانون الدولي الإنساني؛ مما يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية وتزايد أعداد الضحايا المدنيين.
التغيير الديمغرافي: الجريمة الصامتة في الجغرافيا السورية
أحد أخطر الملفات التي تلاحق إيران في سوريا هو ملف التغيير الديمغرافي المتعمد، حيث عملت طهران عبر أذرعها العسكرية على تهجير سكان المناطق المحيطة بدمشق وحمص وحلب بشكل قسري، ومن ثم إحلال عائلات المقاتلين الأجانب مكانهم.
هذه الاستراتيجية لم تكن عفوية، بل كانت تهدف إلى إنشاء حزام أمني طائفي يحمي العاصمة دمشق ويضمن استمرار خطوط الإمداد من طهران وصولاً إلى بيروت.
وقد وثقت منظمات حقوقية مثل “هيومن رايتس ووتش” و”العفو الدولية” آلاف الحالات التي مُنع فيها السكان الأصليون من العودة إلى منازلهم بحجج أمنية واهية، بينما تم منح عقاراتهم لمستوطنين جدد موالين للأجندة الإيرانية.
إن الاستيلاء على الممتلكات وتدمير السجلات العقارية يمثل جريمة مركبة تهدف إلى محو الهوية الوطنية السورية واستبدالها بهوية هجينة تخدم ولاية الفقيه، مما يؤسس لصراعات مستقبلية قد تستمر لعقود طويلة حتى بعد توقف المدافع، نظرًا للظلم الاجتماعي والسكاني الذي خلفه هذا التوغل.
ميليشيات بلا رادع: انتهاكات حقوق الإنسان في مراكز الاحتجاز
لا تقتصر الجرائم الإيرانية في سوريا على العمليات العسكرية الكبرى، بل تمتد لتشمل إدارة مراكز احتجاز وسجون سرية تخضع مباشرة لإشراف ضباط من الحرس الثوري الإيراني، حيث تشير تقارير مسربة وشهادات لناجين إلى ممارسات تعذيب وحشية وتصفيات ميدانية بحق المعارضين السوريين.
هذه السجون التي تنتشر في مناطق مثل السيدة زينب ومحيط مطار دمشق الدولي ومناطق في شرق سوريا، تُدار بعيدًا عن رقابة القضاء السوري أو المنظمات الدولية، مما يجعلها بؤرًا لانتهاكات صارخة تشمل الإخفاء القسري والقتل تحت التعذيب.
إن استخدام الميليشيات لأساليب الترهيب الطائفي في التحقيق يعكس الوجه الحقيقي للأجندة التي تسعى إيران لفرضها، حيث يتم استهداف المدنيين بناءً على انتماءاتهم المناطقية أو مذهبهم الديني، وهو ما يعمق الانقسام المجتمعي ويحول النزاع السياسي إلى صراع وجودي يهدد وحدة النسيج السوري.
النهب الاقتصادي وتدمير البنية التحتية السورية
إلى جانب الجرائم الجسدية، مارست إيران نوعًا من الجريمة المنظمة بحق الاقتصاد السوري، حيث استغلت حاجة النظام السوري للدعم العسكري لتوقيع اتفاقيات اقتصادية طويلة الأمد تمنحها السيطرة على قطاعات حيوية مثل الفوسفات، والاتصالات، والموانئ، هذا النهب الممنهج لثروات الشعب السوري يمثل جريمة بحق الأجيال القادمة، حيث يتم رهن مقدرات الدولة لسداد ديون الحرب التي أنفقتها طهران لتثبيت نفوذها.
كما أن سيطرة الميليشيات الإيرانية على المعابر الحدودية، خاصة مع العراق، ساهم في ازدهار تجارة المخدرات وتهريب السلاح، مما حول سوريا إلى منصة لتهديد الأمن الإقليمي والدولي.
إن تحويل سوريا إلى سوق للمنتجات الإيرانية الرديئة وتدمير الصناعات المحلية يكمل حلقة الانتهاكات التي بدأت بالرصاص وانتهت بالتجويع والإفقار الممنهج.
إن التاريخ لن يرحم أولئك الذين ساهموا في تدمير سوريا، وستظل ملفات الجرائم المرتكبة شاهدة على حقبة سوداء حاول فيها الحرس الثوري الإيراني إعادة رسم خارطة المنطقة بدماء الأبرياء، كما أن العدالة للسوريين ليست مجرد مطلب حقوقي، بل هي ضرورة لاستعادة السلام والأمن في منطقة ما تزال تنزف بسبب أوهام التوسع والسيطرة الطائفية.

